الثلاثاء - 28 يوليو 2026

من يحكم العراق.. بغداد أم الخوف؟!

منذ ساعتين
الثلاثاء - 28 يوليو 2026

كندي الزهيري ||

 

 

كيف يمكن لوطنٍ أن يمتلك كل هذا التاريخ، وكل هذه الثروات، وكل هذا الموقع الجيوسياسي، ثم يقف مترددًا أمام احتمال انزعاج دولة هنا أو امتعاض عاصمة هناك؟!.

السؤال ليس عن الخليج، ولا عن أمريكا، ولا عن تركيا. فالدول لا تُلام لأنها تبحث عن مصالحها؛ تلك هي طبيعة السياسة منذ أن وُجدت الدولة. أما السؤال الحقيقي فهو: كيف تحوّل العراق من دولةٍ تُصنع عند أبوابها المعادلات، إلى دولةٍ تنتظر ردود الأفعال قبل أن تصنع القرار؟. إن أخطر ما يُصيب الأمم ليس الإحتلال العسكري، بل الإحتلال النفسي.

فحين تصبح (النخبة السياسية) أسيرةً لاحتمالات الغضب الخارجي، تكون قد سلّمت إرادتها قبل أن تُسلم أرضها. فالسيادة: لا تُقاس بعدد الدبابات ولا برايات الوزارات، وإنما تُقاس بقدرة الدولة على أن تقول: هذا قرارنا لأنه يخدم العراق، لا لأنه يرضي هذا المحور أو يطمئن ذاك.

لقد أصبح العراق، في كثير من مفاصله، يتعامل مع السياسة كما يتعامل التاجر الخائف من خسارة (زبائنه)، لا كما تتعامل الدول التي تعرف قيمة نفسها.

يحسب ألف حساب لردة الفعل، لكنه نادرًا ما يحسب حساب هيبة الدولة التي تتآكل كلما تأخر القرار الوطني. إن تضخيم ردود فعل بعض دول الخليج ليس دليلًا على قوة تلك الدول ، بقدر ما هو دليل على هشاشة الداخل.

فالدولة التي تثق بنفسها لا تتحرك على إيقاع الآخرين، بل تجعل الآخرين يعيدون حساباتهم على إيقاعها. أما الدولة التي تعيش في ظل الإنقسام، فإنها تتحول إلى مرآة تعكس إرادات الخارج أكثر مما تعكس إرادة شعبها.

العراق لا يعاني من أزمة جغرافيا، ولا من نقص في الموارد، ولا من فقرٍ في الكفاءات. إنما يعاني من أزمة (وعي سياسي)؛ وعيٍ لم يحسم بعد لمن يكون الولاء الأول: للوطن أم لتوازنات اللحظة؟، للمصلحة العراقية أم لحسابات الإقليم؟… والتاريخ لا يرحم الأمم التي تخاف أكثر مما تفكر، فكل حضارة فقدت ثقتها بذاتها، بدأت أولًا بتبرير ضعفها، ثم انتهت بتقديسه، حتى أصبح الخضوع يُسمى حكمة، والتردد يُسمى دبلوماسية، والصمت يُسمى اتزانًا. العراق لا يحتاج إلى سياسة تستفز أحدًا، كما لا يحتاج إلى سياسة تستأذن أحدًا.

إنه يحتاج إلى دولة تدرك أن إحترام الآخرين لا يُنتزع بالاسترضاء، بل يُفرض بوضوح الرؤية وصلابة القرار وعدالة الموقف. ويبقى السؤال الذي سيطارد الأجيال القادمة إذا أستمر هذا النهج: إلى متى سيظل العراق يخشى صدى العواصم البعيدة والقريبة، بينما يعتاد شعبه صدى الفرص الضائعة؟. فالدول لا تنهض عندما يتغير جيرانها، بل تنهض عندما تتغير نظرتها إلى نفسها.

وعندما يستعيد العراق ثقته بذاته، لن يكون الخليج ولا غيره هو من يحدد سقف القرار العراقي، بل ستكون المصلحة الوطنية هي البوصلة الوحيدة، وما عداها مجرد اتجاهات تدور حول بغداد… لا العكس. لكن يبقى السؤال الأهم: متى سيدرك السياسيون ذلك؟.

كندي الزهيري…