الثلاثاء - 28 يوليو 2026

الأسئلة الممنوعةـ العدد الأول..هل نحن ضحايا المؤامرات… أم ضحايا أخطائنا؟!

منذ 5 ساعات
الثلاثاء - 28 يوليو 2026

أمين السكافي ||

 

 

«ليست كل الأسئلة تُطرح… لأن بعض الأسئلة يهز القناعات أكثر مما يهز الأنظمة.»

هناك سؤال يلاحق العرب منذ أكثر من قرن، لكنه غالبًا ما يُطرح بصوت خافت، أو يُؤجل خوفًا من سوء الفهم، أو يُدفن تحت ركام الشعارات.

هل نحن حقًا ضحايا المؤامرات؟ أم أن أخطاءنا هي التي جعلت كل مؤامرة ممكنة؟

قد يبدو السؤال صادمًا، لكنه ليس اتهامًا لأحد، ولا محاولة لتبرئة أحد. إنه سؤال يبحث عن الحقيقة، لأن الأمم التي تخشى مواجهة نفسها تبقى أسيرة ماضيها، مهما تغيّرت الوجوه والرايات.

لا يستطيع منصف أن ينكر أن منطقتنا كانت، ولا تزال، مسرحًا لتنافس القوى الكبرى. فمنذ اتفاقية سايكس–بيكو، مرورًا بفترة الانتدابات، ثم الحرب الباردة، وصولًا إلى صراعات الطاقة والممرات البحرية والنفوذ الإقليمي، كانت منطقتنا في قلب الحسابات الدولية. هذه ليست رواية سياسية، بل جزء من التاريخ الحديث.

لكن السؤال الذي نادرًا ما نطرحه هو: لماذا نجحت التدخلات الخارجية عندنا أكثر مما نجحت في أماكن أخرى؟

لماذا خرجت دول كثيرة من الاحتلال أو الحرب الأهلية لتبني مؤسسات قوية، بينما ما زالت دول في منطقتنا تعيد إنتاج الانقسام نفسه، والفساد نفسه، والخطاب نفسه؟

التاريخ يعلمنا أن القوى الخارجية تبحث دائمًا عن مصالحها، لكنها لا تخلق كل شيء من العدم. فالانقسام الداخلي، وضعف المؤسسات، والفساد، والاحتقان الاجتماعي، هي الثغرات التي تسمح لأي نفوذ خارجي بأن يتمدد.

ولنكن صريحين مع أنفسنا.

هل الخارج هو الذي جعل الوظيفة العامة في بعض دولنا بابًا للمحسوبيات؟

وهل الخارج هو الذي أقنع المواطن بأن طائفته أو حزبه أقرب إليه من دولته؟

وهل الخارج هو الذي دفع كثيرًا من الكفاءات إلى الهجرة حين شعرت أن المستقبل لم يعد يُصنع في أوطانها؟

هذه أسئلة مؤلمة، لكنها ضرورية.

وفي المقابل، سيكون من السذاجة أيضًا إنكار أثر التدخلات الخارجية، أو تجاهل الحروب والعقوبات والاحتلالات والصراعات التي غيّرت خرائط المنطقة، وأثرت في مسار دولها ومجتمعاتها. فالتاريخ لا يُقرأ بمنطق الأبيض والأسود، ولا بمنطق البراءة المطلقة أو الإدانة المطلقة.

الحقيقة أكثر تعقيدًا.

لقد كانت هناك دائمًا مشاريع خارجية، لكن نجاحها أو فشلها ارتبط في كثير من الأحيان بمدى تماسك الدولة من الداخل. فحين تكون المؤسسات قوية، والقانون محترمًا، والمواطنة مقدمة على الانتماءات الضيقة، تصبح قدرة الخارج على التأثير أقل، حتى لو لم تختفِ بالكامل.

أما حين يضعف الداخل، فإن الخارج لا يحتاج إلى اقتحام الأبواب… لأنه يجدها مفتوحة.

هل تعلم؟

بعد الحرب العالمية الثانية كانت دول مثل ألمانيا واليابان مدمرة اقتصاديًا وعمرانيًا، لكنها استطاعت، خلال عقود قليلة، إعادة بناء مؤسساتها واقتصاداتها. وفي المقابل، شهدت دول أخرى غنية بالموارد الطبيعية تعثرًا طويلًا بسبب عوامل داخلية، منها ضعف الحوكمة، والانقسامات، والفساد. لا يعني ذلك أن الظروف متطابقة، لكنه يذكرنا بأن الموارد وحدها لا تبني الدول، كما أن المؤامرات وحدها لا تفسر مصائرها.

ربما تكمن المشكلة الكبرى في أننا، كلما وقعنا في أزمة، بحثنا أولًا عن المتهم خارج الحدود، قبل أن نسأل: ماذا فعلنا نحن؟ وماذا كان يمكن أن نفعل بصورة مختلفة؟

النقد الذاتي ليس جلدًا للذات، كما أن الاعتراف بوجود التدخلات الخارجية ليس استسلامًا لها. كلا الأمرين يمكن أن يكونا صحيحين في الوقت نفسه.

فالأمم لا تنهض حين تتبادل الاتهامات، بل حين تمتلك الشجاعة لتراجع نفسها، وتتعلم من أخطائها، وتحول التجارب المؤلمة إلى دروس للمستقبل.

ويبقى السؤال الذي لا يجوز أن نهرب منه:

إذا كانت المؤامرات حقيقة في السياسة الدولية، فهل يكفي أن نكتفي بلعنها؟ أم أن مسؤوليتنا الأولى هي بناء دولة ومجتمع يقللان من قدرتها على النجاح؟

ذلك هو السؤال.

وربما تكون بداية كل نهضة، في لبنان والعالم العربي، ليست العثور على عدو جديد، بل امتلاك الشجاعة للاعتراف بأن إصلاح الداخل هو خط الدفاع الأول في وجه أي مشروع خارجي.

ليست مهمتنا أن نمنحك الجواب… بل أن نطرح السؤال الذي يستحق أن يُفكَّر فيه .