هل سيحدد نتنياهو شكل الحرب والسلام في الشرق الأوسط..؟!
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

نبدأ مقالنا بسؤال : من سيرسم خارطة الشرق الأوسط الجديد، وما هي الغاية الحقيقية لزيارة نتنياهو إلى واشنطن في ظل المتغيرات الإقليمية؟
ليست كل زيارة يقوم بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن حدثاً بروتوكولياً عادياً، فهو يدرك أن الشرق الأوسط يقف على أعتاب مرحلة جديدة، وأن من ينجح في التأثير على القرار الأمريكي اليوم، سيرسم ملامح المنطقة لعقد كامل على الأقل، أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فيدرك هو الآخر أن العالم تغير، وأن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على إدارة الشرق الأوسط بالأساليب التقليدية، وأن أي قرار يتخذه يجب أن يحقق أولاً المصالح الأمريكية، قبل مصالح الحلفاء مهما كانت قوة العلاقة معهم.
هنا تبدأ معركة الإرادات نتنياهو يعرف مفاتيح واشنطن، وعلى مدى سنوات طويلة، نجح ببناء شبكة واسعة من العلاقات داخل المؤسسة السياسية الأمريكية، وأستفاد من الدعم القوي الذي تحظى به إسرائيل لدى شرائح مؤثرة من الكونغرس، وجماعات الضغط، وقطاعات من الإعلام، إضافة إلى التعاون العسكري والإستخباري العميق بين البلدين.
لكن النفوذ شيء، وصناعة القرار شيء آخر، فالولايات المتحدة ليست دولة يديرها شخص واحد، ولا تستطيع أي جهة، مهما بلغ نفوذها، أن تنفرد بتوجيه سياساتها، القرار الأمريكي هو نِتاج توازن بين مؤسسات (الأمن، الدفاع، الإستخبارات، الخارجية، الإقتصاد، الكونغرس والرئاسة)، ولذلك فإن تأثير أي جماعة ضغط يبقى جزءاً من منظومة أوسع، وليس العامل الوحيد الحاسم.
سؤال آخر : ماذا يريد نتنياهو من ترامب؟ إذا قرأنا المشهد بعمق، سنجد أن نتنياهو يسعى إلى تثبيت خمس معادلات كبرى:
أولاً: ضمان ألا تعود إيران قوة إقليمية قادرة على تهديد إسرائيل، سواء عبر برنامجها النووي أو عبر حلفائها في المنطقة.
ثانياً: الحصول على إلتزام أمريكي طويل الأمد بإستمرار التفوق العسكري الإسرائيلي.
ثالثاً: فرض رؤية إسرائيلية للترتيبات الأمنية في غزة، بما يمنع عودة أي تهديد مسلح.
رابعاً: توسيع إتفاقات التطبيع، وربطها بمشاريع إقتصادية وأمنية تجعل إسرائيل مركزاً إقليمياً.
خامساً: الحفاظ على مكانة إسرائيل بإعتبارها الشريك الأول لواشنطن في الشرق الأوسط.
لكن..! ماذا يريد ترامب؟ هنا تكمن نقطة الإختلاف؛ فترامب لا ينظر إلى الشرق الأوسط بعين نتنياهو، بل بعين رجل الأعمال والسياسي الذي يسأل دائماً: ما الذي ستجنيه الولايات المتحدة؟
إذا كانت الحرب تحقق مكاسب أمريكية فقد يرفع منسوب الضغط، وإذا أصبحت عبئاً إقتصادياً أو عسكرياً، فسيسعى إلى إحتوائها أو إعادة صياغة أهدافها.
ولذلك، فإن ترامب قد يدعم إسرائيل بقوة، لكنه لن يمنحها بالضرورة كل ما تطلبه إذا رأى أن ذلك يضر بالمصلحة الأمريكية أو يفتح باباً لمواجهة واسعة لا ترغب بها واشنطن، فهل سيستطيع اللوبي الإسرائيلي فرض إرادته؟ هذه واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل؛ ولا خلاف على أن الجماعات المؤيدة لإسرائيل تمتلك حضوراً مؤثراً في السياسة الأمريكية، لكن القول إنها تتحكم وحدها بالبيت الأبيض أو تفرض جميع قراراته لا ينسجم مع طبيعة النظام الأمريكي المعقد، حيث تتداخل إعتبارات الأمن القومي والإقتصاد والرأي العام والمؤسسات الدستورية.
لذلك، فإن السؤال الأدق ليس: هل يستطيع اللوبي فرض قراراته؟ بل: إلى أي مدى تتقاطع مطالبه مع المصالح الأمريكية؟ فعندما تتلاقى المصالح، يبدو التأثير كبيراً؛ وعندما تتباعد تظهر حدود هذا التأثير، السؤال الذي يطرح نفسه.. ماذا لو رفض ترامب بعض مطالب نتنياهو؟ عندها ستظهر حقيقة العلاقة بين الرجلين، فنتنياهو يحتاج الولايات المتحدة أكثر مما تحتاج الولايات المتحدة إلى أي زعيم إسرائيلي بعينه، وفي المقابل تدرك واشنطن أن أمن إسرائيل يمثل عنصراً مهماً في إستراتيجيتها الإقليمية، لكنه ليس العنصر الوحيد.
من هنا، فإن أي خلاف لن يكون على مبدأ دعم إسرائيل، بل على حجم هذا الدعم، وشروطه، وحدود إستخدامه، فهل نحن أمام شرق أوسط جديد؟ الشرق الأوسط يتغير بالفعل، لكن ليس بقرار أمريكي أو إسرائيلي منفرد؛ إيران لا تزال لاعباً مؤثراً، وتركيا تسعى إلى توسيع نفوذها، والدول العربية تحاول بناء توازنات جديدة، بينما تواصل الصين وروسيا تعزيز حضورهما في المنطقة، ولهذا فإن أي تفاهم بين ترامب ونتنياهو سيبقى جزءاً من لوحة أكبر، ولن يكون وحده كافياً لإعادة رسم الإقليم.
قد يخرج نتنياهو من البيت الأبيض معلناً نجاح زيارته، وقد يعلن ترامب أن العلاقات مع إسرائيل أقوى من أي وقت مضى، لكن السياسة لا تُقاس بالتصريحات، بل بالقرارات التي ستصدر لاحقاً.
السؤال الحقيقي ليس: هل سيؤثر نتنياهو في ترامب؟ ولا: هل سينتصر ترامب على ضغوط حلفائه؟ بل السؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة هو: هل ما زالت واشنطن هي من يرسم خرائط الشرق الأوسط، أم أن الإقليم دخل مرحلة جديدة أصبحت فيها القوى الإقليمية قادرة على فرض وقائع تجعل حتى الولايات المتحدة مضطرة للتكيف معها بدلاً من قيادتها؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، بل مستقبل الشرق الأوسط بأكمله في السنوات القادمة.
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع




