الشرق الأوسط : حين تُعاد كتابة خرائط النفوذ .؟
طه حسن الأركوازي ||

في عالم السياسة ، لا تُقاس التحولات بعدد الصواريخ التي تُطلق ، بل بعدد القواعد التي تتغير بعدها ، فالضربة العسكرية قد تنتهي خلال دقائق ، أما موازين القوى التي تُولد من رحمها فقد تستمر لعقود ، ومن هذه الزاوية تبدو التطورات المُتسارعة في الشرق الأوسط أبعد من كونها مُواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران ، أو صراعاً أمنياً تتداخل فيه إسرائيل بوصفها أحد أطراف مُعادلة الردع .
إنها مرحلة تتشكل فيها ملامح نظام إقليمي جديد تتنافس فيه القُوى الكُبرى والإقليمية على إعادة تعريف النفوذ ، وفرض قواعد أشتباك قد ترسم مُستقبل المنطقة لسنوات طويلة .
إن القراءة الجيوسياسية للمشهد تكشف أن المنطقة تجاوزت مرحلة الأزمات التقليدية ، ودخلت فضاءاً أكثر تعقيداً ، تتداخل فيه القوة العسكرية مع العقوبات الاقتصادية ، والردع البحري مع الحرب السيبرانية ، والضغوط الدبلوماسية مع معركة الرواية والإعلام ، ولم يعُد الهدف المُباشر لأي طرف هو تحقيق نصر عسكري بالمعنى التقليدي ، بقدر ما أصبح السعي مُنصباً على تحسين الموقع الاستراتيجي ، وأستنزاف الخصم ، وإعادة تشكيل البيئة الأمنية بما يخدم المصالح بعيدة المدى .
وفي هذا السياق ، تبدو الضُغوط المُتصاعدة التي تواجهها إيران جُزءاً من أستراتيجية أوسع ، تتجاوز الرد على أحداث ميدانية بعينها ، فالمعادلة المطروحة لا تتعلق بإضعاف القُدرات العسكرية الإيرانية فحسب ، بل بإعادة رسم حدود الدور الذي يمكن أن تُؤديه طهران في الإقليم خلال المرحلة المُقبلة .
وفي المقابل ، تسعى إيران إلى الحفاظ على عناصر الردع التي راكمتها على مدى سنوات ، وإظهار أنها ما تزال قادرة على التأثير في مُعادلات الأمن الإقليمي ، وأن الضغوط مهما بلغت لن تُفضي تلقائياً إلى تغيير موازين القوة أو فرض إرادة أحادية عليها .
أما إسرائيل ، فإنها تنظر إلى هذا المشهد من زاوية أمنها القومي ، إذ ترى أن تقليص مصادر التهديد المحيطة بها يُمثل أولوية أستراتيجية ، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن أي مُواجهة إقليمية واسعة قد تحمل تداعيات يصعب أحتواؤها سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو السياسي .
ومن هنا ، فإن سلوك الأطراف كافة يعكُس حرصاً على مُمارسة أقصى درجات الضغط ، مع محاولة إبقاء التصعيد ضمن حدود لا تؤدي إلى حرب شاملة تخرج عن السيطرة .
ولعل أكثر ما يُميز المرحلة الراهنة هو أن أدوات الصراع لم تعد عسكرية فقط ، فالموانئ ، والممرات البحرية ، وأسواق الطاقة ، وسلاسل الإمداد ، والعقوبات المالية ، والتكنولوجيا، والفضاء الإلكتروني ، جميعها أصبحت ساحات مُواجهة لا تقل أهمية عن الميدان العسكري . ولهذا فإن أي أضطراب في الخليج أو في الممرات البحرية الحيوية لا ينعكس على دول المنطقة وحدها ، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي ، وأسعار الطاقة ، وحركة التجارة الدولية ، وهو ما يمنح هذه الأزمة بعداً يتجاوز حدود الشرق الأوسط .
ومن الخطأ النظر إلى ما يجري بأعتباره مُواجهة بين أطراف مُنفصلة عن البيئة الدولية ، فالتوازنات العالمية تشهد بدورها مرحلة إعادة تموضع ، في ظل تنافس مُتزايد بين القوى الكُبرى على النفوذ والممرات الاستراتيجية وسلاسل الإمداد ، ولذلك فإن الشرق الأوسط لم يعُد مُجرد مسرح للأحداث ، بل أصبح إحدى أهم الساحات التي تختبر فيها القوى الدولية قُدرتها على حماية مصالحها ، وإعادة ترتيب أولوياتها في عالم يتجه نحو تعددية أكثر تعقيداً .
وفي خضم هذا المشهد ، تتسع أيضاً مساحة ما يمكن وصفه بـ”حرب الإدراك” ، فالرواية الإعلامية أصبحت جُزءاً من أدوات الصراع ، إذ يسعى كُل طرف إلى تقديم نفسه بوصفه صاحب المُبادرة ، وإظهار خصمه في موقع المتراجع ، لذلك فإن القراءة المهنية تقتضي التمييز بين الوقائع التي يُمكن التحقق منها ، وبين الرسائل السياسية والإعلامية التي تستهدف التأثير في الرأي العام ، أو تحسين المواقف التفاوضية ، أو رفع كُلفة القرار لدى الطرف الآخر ، وهذا يجعل التحليل الهادئ أكثر أهمية من الانجرار خلف الضجيج الإعلامي الذي يرافق الأزمات الكبرى .
ولا يبدو أن المنطقة تقف اليوم أمام حرب تقليدية يسعى فيها أحد الأطراف إلى إسقاط الآخر عسكرياً ، بقدر ما تقف أمام صراع طويل على إعادة صياغة قواعد الردع وتوزيع النفوذ ، فالتاريخ المُعاصر يُبين أن الحروب الحديثة كثيراً ما تُدار لتحقيق مكاسب سياسية وأستراتيجية ، وأن نهاياتها تُكتب على طاولات التفاوض بقدر ما تُرسم في ميادين المواجهة . ولهذا ، فإن أستمرار التصعيد لا يعني بالضرورة أقتراب الحسم ، بل قد يكون جُزءاً من عملية تفاوض غير مُعلنة تُستخدم فيها القوة وسيلةً لتحسين شروط أي تسوية مستقبلية .
ختاماً .. يقف الشرق الأوسط اليوم عند مُفترق تاريخي تُعاد فيه صياغة موازين القوة ، وتتقاطع فيه الحسابات الإقليمية مع المصالح الدولية في مشهد بالغ التعقيد ، وقد تستمر سياسة الضغوط المُتبادلة ، كما قد تشهد المرحلة المُقبلة محطات تهدئة مُؤقتة ، إلا أن المُؤكد هو أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة إعادة تشكيل للنظام الإقليمي ، حيث لم يعد النفوذ يُقاس بحجم الترسانة العسكرية وحدها ، بل بقُدرة الدول على توظيف القوة ضمن رؤية سياسية واستراتيجية طويلة الأمد .
وفي هذا السياق ، لا يبدو أن ما يُعرف بـ”الحرب الباردة الجديدة” في الشرق الأوسط سيُفضي إلى أنتصارٍ حاسم لأي طرف ، فطبيعة الصراع وتشابك المصالح الاقتصادية ، وحساسية أسواق الطاقة ، وترابط التحالفات الدولية ، جميعها تجعل من إدارة الصراع أكثر ترجيحاً من حسمه ، ومن التسويات المرحلية أكثر واقعية من فرض إرادة منفردة .
ويبقى السؤال الأهم ليس من يمتلك القُدرة على إطلاق الضربة الأولى أو حشد مزيد من الصواريخ والطائرات ، بل من يمتلك القُدرة على إدارة الصراع بأقل كُلفة ، وتحويل عناصر القوة العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية إلى نفوذ سياسي مُستدام ، فالتاريخ يُثبت أن الحروب قد تُغيّر خرائط الميدان ، لكن خرائط النفوذ لا تُرسم إلا عندما تلتقي القوة بالحكمة ، والردع بحُسن إدارة المصالح ، وعندها فقط تتحدد ملامح النظام الإقليمي الذي سيقود الشرق الأوسط في العقود المقبلة …!




