الجمعة - 23 اكتوبر 2026
منذ 4 أشهر
الجمعة - 23 اكتوبر 2026

علي مشالي ||
٧/٧/٢٠٢٦

 

 

 

من منظور اجتماعي فكري يرى اميل دوركايم في كتابه (الأشكال الأولية للحياة الدينية) ان الشعائر الدينية والطقوس ليست مجرد ممارسات فردية وإنما هي وسائل يحافظ بها المجتمع على تماسكه واستمراره، وعندما يجتمع الناس في صلاة أو احتفال أو تشييع أو ذكرى جماعية فإنهم لا يؤدون أفعالا رمزية فحسب بل يعيدون إنتاج الروابط التي تجعلهم يشعرون بأنهم جزء من جماعة واحدة، ولذلك عرف الدين بأنه منظومة من المعتقدات والممارسات المتعلقة بالمقدس توحد المؤمنين في جماعة اخلاقية واحدة.

وهذه المقدمة البسيطة عن الطقوس وآثارها كفيلة بإن ينظر المرء فكريا إلى مسألة تشييع الناس الصالحين الذين مروا في حياته بسيرة ناصعة وضعته أمام مسؤولية المحافظة على المجتمع من خلاله واستمراره وإعادة نفس الروابط القيمية التي عمل عليها أولئك الصالحين،

وبلا شك فإن السيد الشهيد القائد علي الخامنائي ( رضوان الله عليه ) من أولئك الذين كان لهم أثرا ناصعا في حياة المنطقة وغرب آسيا والعالم بشكل عام والعراق خاصة بما قام به من عمل متواصل افرز للاذهان قائدا استثنائيا مر في حياة الناس، وإن طقس تشييعه في كربلاء المقدسة والنجف الأشرف يوم ٨/٧/٢٠٢٦ لا بد أن يأخذ أكثر من حالة الفوران الفردي للحضور إلى حالة الفوران الجمعي لما تمثله من حالة عاطفية مجتمعية يعيشها الناس عندما يجتمعون في مناسبة معينة، فيشعر فيها الفرد بطاقة وقوة احساس بالانتماء يتجاوزان تجربته الفردية حيث يكون في تلك اللحظة في حالة تعزيز الهوية المشتركة ويزداد الالتزام بالقيم التي تجمعه مع أفراد المجتمع مما يمثل هذا الشعور احد اهم هذا الفوران والتجمعات.

بيد إن هذه التجمعات للأفراد تحدد عدة وظائف اجتماعية منها تجديد التعزيز بالتضامن الإجتماعي إذ تجعل الافراد يشعرون بأنهم اعضاء في جماعة واحدة، ترسيخ القيم المشتركة فتمثل هذه التجمعات إعادة تذكير المجتمع بما يعتبره مقدسا ومهما وبما قام به السيد الشهيد القائد (رض)، إعادة بناء الهوية الجماعية إذ تمنح الافراد احساسا بالانتماء إلى تاريخ ورموز وذاكرة مشتركة، التخفيف من آثار الأزمات إذ إن مثل هذه التجمعات تساعد الناس فيما بينهم على التعبير عن مشاعرهم واستعادة التوازن والحفظ المجتمعي رغم اختلاف اللهجة واللغة بينهم.

والتشييع الذي يقوم به الناس للشهيد السيد القائد(رض) تبرز أهميته الكبيرة لهم أنفسهم لانه يعيد تعريف مكانتهم داخل مجتمعهم والتصرف من حالة انتقال بوجود من كان معهم جسدا إلى من يُحفظ فيهم رمزا وعملا واستقراره في ذاكرتهم الجماعية حتى يمنح السيد الشهيد القائد انتقاله من هذه الحياة معنى رمزيا وثقافيا ومنظما وعاملا فاعلا في ثبات المجتمع بعده.

لذا فالتشييع لجثمان الشهيد القائد يوم ٨/٧/٢٠٢٦ في كربلاء المقدسة والنجف الاشرف للعراقيين مناسبة تستعاد فيها السيرة وتجديد المواقف التي قام بها وانتقال ذكراه من جيل لآخر وإعادة تشكيل للذاكرة الجماعية وتكريم عال له ومواساة لاسرته بالحضور المكثف وتذكير من قام بقتله بإن الإنسان يموت بيولوجيا مرة واحدة لكنه يعيش اجتماعيا عند التفاف الناس حوله واستذكاره وإعادة شريط حياته والثبات عليه.