الجمعة - 03 يوليو 2026

الإمام الشهيد الخامنئي.. ويمكرون ويمكر الله.. والله خير الماكرين..!

منذ 55 دقيقة
الجمعة - 03 يوليو 2026

 العلامة السيد الدكتور عصام العماد أستاذ الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة

 

 

من آلاء الله على مثلي أن يشتغل محاميًا عن الإسلام وعن قادته.
منذ أقل من أربعين عامًا وأنا من المهاجرين اليمنيين الساكنين في مدينة قم المقدسة، ومعنى ذلك بأن لديّ تجربة طويلة مع الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي.

لقد عشت هذه التجربة بعيني ولمستها بيدي.

والحقيقة التي استيقنتُ من هذه التجربة هي أنّ هذا الإمام الشهيد هو ثمرة شجرة طيبة غرسها رسول الله (ص) ثم رعاها أمير المؤمنين الشهيد علي بن أبي طالب (ع)، وانتقلت هذه الشجرة إلى الإمام الشهيد الحسن بن علي(ع)، ثم سقى هذه الشجرة بدمه الطاهر الإمام الشهيد الحسين بن علي (ع)، وجاء الشهيد الإمام علي بن الحسين (ع) وحفظها وتولّى أمرها،  وعندما أنتهى شأنها إلى الإمام الشهيد محمد الباقر (ع) قام بتدبيرها، إلى أن استلمها الإمام الشهيد جعفر الصادق (ع) فعُرفت هذه الشجرة بإسمه، فلمّا وصلت إلى الإمام الشهيد موسى الكاظم (ع) نقّاها، وأخصبت على يد الإمام الشهيد علي بن موسى بن الرضا (ع) ، ثمّ أزهرت علي يد الإمام الشهيد محمد بن علي الجواد (ع)،  وأثمرت على يد الإمام الشهيد علي الهادي (ع)، وامتدت على يد الإمام الشهيد الحسن العسكري (ع)، وورث هذه الشجرة الطيبة الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري (ع)،

إن الله ذاته عبر رسول الله(ص) جعل حفظ تلك الشجرة الطيبة على يد أولئك الأئمة الإثنى عشر الذين أشير إليهم في التوراة والأنجيل وفي صحيح البخاري ومسلم.

وإن أولئك الأئمة الإثنى عشر هم الذين حافظوا على هذه الشجرة الطيبة ظلموا، ومن الظلم لهم أنك تجد في أذهان وأقطار كثيرة جهلاً بهم وبمظلوميتهم كما شرحت ذلك في كتابي رحلتي من الوهابية إلى الإثنى عشرية.

منذ ما يقارب الأربعين عامًا وأنا مع الملايين من الناس نشاهد الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي بذل كلّ حياته ووقته في ميدان الدفاع عن هذه الشجرة الطيبة.

وإن الحقيقة التي آمنت بها هي أن الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي حين ينال وسام ومقام الشهادة وهو على أبواب التسعين من عمره فتلك هدية ربّانية وكرامة إلهية.

وحياة الإمام الشهيد حياة ضخمة لا تجمعها مقالة واحدة وأنا منذ قرابة أربعين عامًا أقرأ له واستمع إلية بلغته الفارسية الجميلة ولا أدري ماذا أقدّم لقراء مقالتي هل (الخامنئي المؤلف) أو (الخامنئي الشاعر) أو (الخامنئي المفسّر للقرآن) أو (الخامنئي الفقيه والمرجع) أو (الخامنئي العارف بالله) أو (الخامنئي العارف برسول الله وبالأئمة الإثني عشر الذين أشير إليهم في التوراة والأنجيل وفي صحيح البخاري ومسلم) أو (الخامنئي العالم باللغة العربية فهو نقل أكثر من كتاب من اللغة العربية إلى اللغة الفارسية وله تعليقات وحاشية على أصعب كتاب في اللغة العربية وله قصائد باللغة العربية وكتب مذكرة حياته باللغة العربية) أو (الخامنئي السياسي الحكيم) أو (الخامنئي معلّم الأخلاق والمربّي الفريد) أو (الخامنئي المؤرخ) أو (الخامنئي صاحب الصوت الجميل في تلاواة كتاب الله) أو (الخامنئي العارف بعلم الحديث وعلم رجال الحديث) أو (الخامنئي العسكري الخبير في ميدان الجهاد والقتال مع الصهاينة والأمريكان) أو (الخامنئي الذي جعل حياته للدفاع عن المستضعفين لا سيما عن الفلسطينين) ، أو (الخامنئي الذي جعل من الجمهورية الإسلامية دولة عظمى متطورة في كل مجالات الحياة) أو (الخامنئي صاحب الأطروحات في مجال الحضارة الإسلامية وفي مجال علم الاجتماع والنفس) أو (الخامنئي العالم في أصول الدين وفي أصول الفقه) أو (الخامنئي المنظّر للوحدة بين الشيعة وأهل السنة) أو (الخامنئي الذي كان يؤمن بحق الشعب في إنتخاب زعيمهم وكان يحارب كل من يفكر في تزوير الانتخابات) أو (الخامنئي المدافع الأمين علي الدستور والقانون) أو (الخامنئي الذي منع أحد من أسرته أن يتولّى أي منصبٍ في الدولة) أو (الخامنئي الذي بيته وحياته  وطعامه وأثاث بيته أصغر وأقل قيمةً من بيوت وطعام وأثاث بعض الفقراء والمستضعفين) أو (الخامنئي الإمام الشهيد).

لقد كان بحرًا في علمه وإنتاجه الفكري، وكان فذًّا في تعدد مواهبه وكان عبقريًا وكان صاحب ذاكرة حديدية وكان مديرًا مدبّرًا وكان خطيبًا بارعًا بليغًا يخطب لفترة طويلة من دون زلّة لسان أو نسيان وكان موسوعة كبرى في اطلاعه.

وقد منّ الله أن أعيش طوال فترة قيادته للثورة الإسلامية في مدينة قم المقدسة من بداية قيادته للثورة إلى يوم شهادته ومن الله عليّ بأنني كتبت حوله مقالات عديدة لو جمعت لكانت كتابًا كاملا.

ولكن لو سألتني ماهو أهم شيء عشقه وأحبّه الإمام الشهيد منذ اليوم الذي عرفته لقلت لك عشق الله وعشق الشهادة في سبيل الله.

ولم أجد قطى في حياتي رجلًا يحب ويعشق الله والشهادة في سبيل الله مثله،  فكان يعظّم الشهداء في سبيل الله،  ويعشق زيارة مشاهدهم المقدسة بشكلٍ دائم ومستمر، وكان إذا التقى بأسر الشهداء تجده يقول وهو في حالة بكاء وخشوع أن قلبي يضطرب ووجداني يحترق كلما تصورت أنني سأموت موتًا عاديًا .. اللهم يارب أرزقني الشهادة في سبيلك .. وأعجب شيء عندي هو قدرته العجيبة على نشر ثقافة محبّة وعشق الله وثقافة عشق ومحبة الشهادة في سبيل الله.

من هنا فقد عرف بالشهيد الحي، وعاش أكثر حياته وهو يعاني من ألم بيده اليمنى التي أصيبت في سبيل الله،  ولمّا قيل له سنعالج يدك  .. قال لدينا الكثير من الجرحى في سبيل الله فأنا مثل بقية الجرحى في سبيل الله.

وطلب منه الكثير بعد أن هدد ترامب ونتنياهو بإغتياله أن يغادر بيته القديم والصغير والذي يعرف مكانه القاصي والداني فهو  في قلب طهران وهو سكنه ومحل عمله .. قالوا له غادر بيتك إلى مكان آمن يحميك من الموت والإغتيال فقال لماذا أمريكا وإسرائيل تقتل الناس في إيران وهم في بيوتهم فأنا مثل بقية الناس لن أغادر بيتي الصغير والقديم أبدًا.

ولعل من تأمل كلمته الأخيرة يدرك أنه كانت وصية ووداع وكان على يقين أنها كلمته الآخيرة .. قتلوه مع زوجته وبنته وحفيدته وزوج بنته.

وأنا أقول لإسرائيل وأمريكا بأن غلطتكم الكبرى هي أنكم قتلتم رجلًا له أكثر من سبعين عامًا يبحث عن الشهادة في سبيل الله.
ولا أرى أن هذا إلّا من مكر الله بأمريكا وبإسرائيل فالرجل الآن يحمد الله على صنعكم به.

بل أرى أن شهادته صنعت معجزة في إيران وفي كل العالم الإسلامي وغير الإسلامي .. فشهادته حافظت على وحدة الشعب الإيراني وعلى الثورة الإسلامية وعلى روح مقاومة العدوان الأمريكي ولإسرائيلي.

وهنالك أمر هو من مكر الله بأمريكا وإسرائيل وهو أن العالم الإسلامي وغير الإسلامي بعد أن اختلط مداد قلم الإمام الشهيد الخامنئي بدمه الطاهر فولدت كتبه وتراثه ودروسه من جديد وسوف يشرع الناس بمعرفة تراثه وكتبه،  وسوف ينشدون ويبذلون في الحصول على مؤلفاته أغلى الأثمان.

اللهمّ أنك تعلم أني أحبّ هذا الإمام الشهيد، فأسألك أن ترضى عنّي ببركة حبّي له،  ولك الحمد أن يسرّت لي الأنس به في ديار الغربة فلم أترك السماع له لحظة واحدة ، وأنت تعلم بأنني ما كتبت هذه المقالة مجاملة أو مداهنة لأحدٍ من الناس أبداً بل كتبتها حبًا وعشقًا لك في رجلٍ بذل مهجته لأجلك،  ولو كنت ممن أرجو غيرك لسعيت للقاء به في حياته لاسيّما في الأيام الأولى من إستلامه للقيادة حيث كان بعض زملائي يلتقون به لقاءً خاصًا .. وكنت أقول لهم من هو عصام العماد حتى يضيّع وقت ذلك الرجل العظيم .. ولكن لا أدري لماذا ندمت بعد شهادته وحدثت نفسي لماذا تركت اللقاء معه .. ولكني سوف التقي معه قريباً في عالم البقاء .. اسأل أن يختم حياتي بالشهادة في سبيل الله.