رسائل تشييع الخامنئي في كربلاء والنجف: حين يتصل النهر بالمنبع..!
د. عامر الطائي ||

حين تلتقي الحشود في كربلاء والنجف، وهي ترفع على الأكف نعش رجلٍ قضى عمره بين أروقة الدرس وميادين المواجهة، فإن المشهد يتجاوز حدود الطقس الجنائزي العابر ليتحول إلى “وثيقة تاريخية” صارخة. إن تشييع السيد علي الخامنئي في حواضر الوعي والشهادة ليس مجرد إعلان وفاء لشخص، بل هو استفتاء علني على “النهج” الذي حُمل في العقول والقلوب.
لم تكن النجف يوماً مجرد مدينة لدفن الموتى، ولا كربلاء مجرد مزار للبكاء؛ إنهما عاصمتا القرار الفقهي والثوري للأمة. وحين تحتضن هاتان المدينتان هذا الجثمان، فإنهما تبعثان برسائل ثلاث لا بد للعالم أن يقرأها بعين الواعي لا بعين الهاوي:
الرسالة الأولى: وحدة الفكر والحركة
لقد تلاشت في هذا التشييع تلك الحدود الجغرافية والسياسية المصطنعة، لتثبت الأمة أن “المرجعية الحركية” التي تنطلق من القرآن لا تحدها السدود. السيد الخامنئي الذي عرفته المنابر شاباً ثائراً يفسر القرآن ليحرك الجماهير في مشهد، يُشيّع اليوم في النجف وكربلاء ليؤكد الفكرة ذاتها: إن فقه آل البيت ليس فقه الانزواء، بل هو فقه القيادة وبناء الدولة ومواجهة الطغيان الصهيوني والاستكباري في كل الجبهات.
الرسالة الثانية: الامتداد من عليّ إلى الحسين
إن ممر الجنازة من النجف الأشرف ــ حيث باب علم النبي وعاصمة التأسيس ــ إلى كربلاء المقدسة ــ حيث ذروة التضحية والفداء
ــ هو تجسيد للمسار الفكري الذي عاش عليه الراحل. لقد أراد هذا التشييع أن يقول إن مشروع الفكر الإسلامي الذي صاغه في شبابه لم يكن تنظيراً ترفياً، بل كان امتداداً لخط الإمامة الذي يرفض الاستسلام ويرى في الشهادة انتصاراً للدم على السيف.
الرسالة الثالثة: حيوية الجماهير وعقم المراهنات
يراهن أعداء هذه الأمة دائماً على “موت الفكرة” بموت صاحبها، وينفقون المليارات لعزل الجماهير عن قادتها وعن عمقها العقائدي. فجاء طوفان البشر في العراق ليصفع تلك المراهنات. إن خروج هذه الملايين هو إعلان واضح بأن الشعوب التي عُمدت بوعي القرآن والشهادة لا تُهزم، وأن غياب القائد لا يعني غياب الرسالة، بل هو وقود جديد يتدفق في عروق الأمة ليواصل مسيرتها.
إنني أرى في هذا التشييع المهيب صدى للآية الكريمة: «مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ». لقد رحل الجسد، ولكن “المشروع القرآني الحركي” الذي أحياه في نفوس الملايين سيبقى حياً، شاهداً على أن الفكرة المستنيرة لا تموت، وأن راية الحق المقاوم ستبقى مرفوعة في النجف وكربلاء وكل أرض يرفض أحرارها الركوع.




