حين رأيت العمامة… شعرت أن التاريخ يبكي..!
د. محسن العكيلي ||

لم يكن ذلك مجرد وداعٍ لرجلٍ رحل، ولم تكن تلك مجرد نظرة أخيرة على نعش قائد. كان المشهد أكبر من الكلمات، وأثقل من أن تحتمله القلوب.
اليوم، وقفت أمام العمامة السوداء التي طالما ارتبطت في ذاكرتي بالعزة والإباء. وقفت أمام أربعة نعوش؛ نعش السيد علي الخامنئي، ونعش حفيدته الطفلة الشهيدة، ونعشي امرأتين من عائلته، فوجدت الدموع تسبق الكلمات، ولم أستطع أن أمنع نفسي من البكاء.
لم أكن أبكي شخصًا فحسب، بل كنت أبكي تاريخًا كاملًا، وأبكي مدرسةً في الصمود، وأبكي سنواتٍ من المواجهة مع قوى الاستكبار، وأبكي رجلاً اختار أن يدفع أثمن الأثمان في سبيل ما آمن به.
في تلك اللحظات، لم تعد المسافات بين الماضي والحاضر موجودة.
حين نظرت إلى العمامة السوداء، شعرت وكأنني أحدق في عمامة الإمام الحسين عليه السلام وهي ملقاة على أرض كربلاء. وحين وقعت عيناي على الطفلة الشهيدة، خُيّل إليّ أن التاريخ يعيد إلى الأذهان مشهد أطفال الحسين عليهم السلام وهم يواجهون المأساة ببراءة الطفولة. وحين رأيت النساء الشهيدات، حضرت في الذاكرة صور نساء أهل البيت في يوم الطف، يحملن الألم بصبر المؤمنين وثباتهم.
ليس لأن الوقائع متطابقة، فلكل زمانٍ ظروفه وأحداثه، وإنما لأن مشهد التضحية والثبات أعاد إلى الوجدان صورًا راسخة في الذاكرة الإسلامية عن الفقد والصبر.
كان المكان يغرق في الدموع.
رجالٌ لا تعرف أعينهم البكاء، فإذا بهم يبكون بحرقة. شيوخ، شباب، نساء، الجميع ينظر إلى العمامة، ثم إلى الطفلة، ثم إلى النعوش، فلا يجد ما يقوله، وكأن الكلمات كلها ماتت أمام هيبة المشهد.
كان البكاء لغةً واحدةً يتحدث بها الجميع.
في تلك اللحظة، أدركت أن بعض الرجال لا يرحلون وحدهم، بل يرحل معهم فصلٌ كامل من التاريخ، وأن بعض القادة لا يقدمون أنفسهم فقط، بل يقدمون عائلاتهم أيضًا في طريق المبادئ التي يؤمنون بها.
وقفت أتأمل ذلك المشهد، وقلت في نفسي: ما أعظم أن يحمل الإنسان قضيةً يؤمن بها حتى آخر لحظة من عمره، وما أقسى أن تدفع العائلة بأكملها ثمن ذلك الطريق.
سيبقى هذا المشهد محفورًا في الذاكرة ما حييت.
سيبقى منظر العمامة السوداء، والطفلة الشهيدة، والنعوش الأربعة، والدموع التي غلبت الجميع، شاهدًا على لحظة لن يمحوها الزمن.
إنها لحظة اختلط فيها الحاضر بذكريات التاريخ، وامتزج فيها الألم بالإيمان، حتى بدا وكأن صفحات كربلاء تعود لتذكر الأجيال بأن طريق المبادئ كان وسيبقى طريقًا مليئًا بالتضحيات.
رحم الله الراحلين، وتقبّلهم في واسع رحمته، وألهم محبيهم وذويهم الصبر والسلوان، وجعل ذكرى المخلصين مناراتٍ يستلهم منها الأحرار معاني الثبات والوفاء.




