حرامي البيت..!
رياض الفرطوسي

على مدى عقود، ظلّت أزمة السلطة والفساد في منطقتنا وفي العراق تُعالج من منظور “الشخص لا البنية”، بينما تكمن العلة الحقيقية في أن الفساد لم يعد مجرد انحراف سلوكي لبعض الأفراد، بل تحول إلى “منهج دولة” متكامل، محصّن بجيوش إلكترونية، ومنصات إعلامية، وشرعية اجتماعية مشوهة.
إن المعادلة التاريخية والاجتماعية تؤكد دائماً أن النظام السياسي ما هو إلا انعكاس للمجتمع الذي أنتجه؛ فالشعور العام بالضحية غالباً ما يتغاضى عن كونه شريكاً في إعادة إنتاج المنظومة ذاتها. ومن هنا، تبرز فكرة “حرامي البيت” التي عبر عنها رئيس هيئة النزاهة الاسبق العراقي الدكتور حسن الياسري إبان رئاسته لهيئة النزاهة، لتلخص المعضلة: كيف يمكن ضبط أمن الدار إذا كان اللص يمتلك مفاتيحها ويجلس في صدرها؟
في قراءة المشهد العراقي الحالي، يبرز سؤال الفلسفة والتاريخ البديل الأهم: “ماذا لو؟”؛ ماذا لو تحولت حملات مكافحة الفساد(التي تُدار بخطوات دولية وإقليمية محسوبة)إلى دافع حقيقي لولادة حكومة وطنية ذات سيادة كاملة؟ الإجابة تكمن في “قانون العواقب غير المقصودة” في العلوم السياسية.
إن نشوء دولة وطنية حقيقية في العراق، ترفض الإملاءات الخارجية وتضع مصالحها القومية أولاً، يمثل كابوساً استراتيجياً للقوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. فالفساد، في جوهره البراغماتي، لم يكن يوماً عقبة أمام المصالح الدولية، بل كان الأداة المثالية لضمان “استقرار التبعية”.
إن محرك العلاقات الدولية لا يعترف بالأخلاق بل بالمصالح الصرفة، والأرشيف السياسي للقوى الكبرى يغص بالأدلة التي تؤكد تفضيل الخصم “الفاسد والمضمون” على الحليف “النزيه والمتقلب”. وتتجسد هذه البراغماتية في العقيدة الاستعمارية التي ترى في الفاسدين المحليين مجرد أدوات وظيفية طالما أنهم يحمون الامتيازات الأجنبية.
خذ على سبيل المثال النفوذ الغربي في أمريكا اللاتينية خلال القرن العشرين؛ حيث حظيت عائلات دكتاتورية مثل عائلة “سوموزا” في نيكاراغوا بحصانة مطلقة ودعم عسكري غير محدود رغم تحويلهم البلاد إلى إقطاعية خاصة ومزرعة لنهب الثروات، لسبب واحد: حماية استثمارات الشركات العابرة للقارات ومحاربة أي نفس تحرري.
وفي قارة إفريقيا، تكرر السيناريو مع أنظمة مثل نظام “بيا” أو الديكتاتوريات العسكرية في الغرب الإفريقي التي ضمنت تدفق النفط والمعادن النفيسة إلى العواصم الغربية مقابل غض الطرف عن إفراغ الخزائن العامة وتهريب المليارات إلى المصارف الأوروبية. (ولعل أكثر فصول هذه التراجيديا السياسية مرارة، هي قصة الرئيس الجزائري الراحل “محمد بوضياف”؛
هذا الرمز التاريخي الذي استُدعي على عجل من منفاه الاختياري طويل الأمد في المغرب لإنقاذ بلاده في لحظة فارقة. كان رفاق الأمس، الذين تربعوا على عرش السلطة وتحولوا إلى نخب مستفيدة ولصوص للمال العام، يظنون أنهم يستحضرون “شرعية ثورية ونزاهة ناصعة” لتجميل صورتهم المشوهة أمام العالم والداخل، مستغلين طهارة تاريخه. لكن “السي الطيب” كما كان يُلقب جاء برؤية مغايرة تماماً؛
فما إن وطأت قدماه أرض الوطن ولمس حجم التغلغل الفاسد لـ “حرامية البيت” في مفاصل الدولة، حتى رفض أن يكون واجهة لفسادهم، وبدأ على الفور بفتح ملفاتهم السوداء وفضح شبكاتهم وتوعد بكنسهم. كان يعلم تماماً، بحسه الثوري، أن فتح عش الدبابير هذا سيكلفه حياته، وهو ما صرح به للمقربين منه، ولم يتأخر الرد؛
إذ تم اغتياله على الهواء مباشرة برصاص ضابط أمن، في عملية غادرة أسدلت الستار على محاولة تنظيف الدار،) لتظل بنية الفساد العميقة محصنة ضد أي إصلاح وطني حقيقي.
هذا التواطؤ الهيكلي يمتد إلى قلب الشرق الأوسط ووسط آسيا؛ حيث تم الإبقاء على أنظمة وراثية ونخب عسكرية غارقة في صفقات السلاح المشبوهة والتربح غير المشروع، كحلفاء موثوقين في استراتيجيات محاربة الإرهاب أو توازن القوى الإقليمي.
وفي المقابل، يخبرنا التاريخ والوثائق المفرج عنها أن أي محاولة لإنتاج بديل وطني نظيف يسعى لامتلاك قراره الاقتصادي كانت تواجه بحرب شعواء؛ وهو ما جرى في غواتيمالا عندما أطيح بالرئيس المنتخب “جاكوبو أربينز” لمجرد تفكيره في استرداد الأراضي الزراعية من الشركات الاحتكارية الأجنبية، وما حدث في غانا مع القائد الإفريقي “كوامي نكروما” الذي دُمرت تجربته الواعدة في التنمية المستقلة عبر انقلاب مدعوم استخباراتياً لقطع الطريق أمام صيغة “السيادة الوطنية الكاملة”.
بالعودة إلى الواقع العراقي المعقد، يتضح أن الحذر والتدرج الأمريكي في التعامل مع ملفات الفساد وملاحقة “لصوص الدرجة الثانية” لا ينبعان من رغبة في تطهير البلاد، بل من خشية حدوث فراغ سياسي وفوضى غير مسيطر عليها في حال سقوط “الحيتان الكبيرة” دفعة واحدة.
إن النخب الفاسدة الحالية تمثل بالنسبة للقوى الدولية شريكاً يمكن التنبؤ بسلوكه، ومستعداً لتقديم التنازلات السياسية والاقتصادية الكبرى مقابل الحفاظ على مكتسباته وحصانته. إن ضرب هذه المنظومة بعمق قد يفتح الباب لولادة تيار وطني راديكالي يرفض التبعية ويعيد صياغة شروط التعامل مع الخارج؛
لذلك، يُراد لملف مكافحة الفساد أن يظل أداة لتقليم الأظافر وضبط التوازنات، وليس استئصالاً للمنهج، لتبقى بنية المحاصصة هي حائط الصد الذي يمنع العراق من استعادة سيادته الحقيقية على كنز النفط الاستراتيجي.




