المقاومة الثقافية.. محنة الجنوبيين بين الواقع الناري وتصريحات… “اطمئنوا!”..!
د. نسيب حطيط ||

يعيش الجنوبيون، ومعهم أهل الضاحية والبقاع، تحت وطأة الصدام بين الواقع الناري الذي يعيشونه قتلاً وقصفاً وتهجيراً ونسفاً وخوفاً، وعدم استقرارٍ الذين عادوا إلى قراهم المهدّدة في كل لحظة، وبين التصريحات التي تدعوهم للاطمئنان وعدم الخوف على المصير، وان هناك وقفٌ لإطلاق النار وأن اتفاق واشنطن غير موجود، وأنه لا اتفاق استسلام للعدو!.
فبعضهم يصف الاتفاق بأنه “إطار” ملزمٌ للبنان سياسياً وليس قانونياً، دون أن يفسر الفارق بين الالتزام السياسي الذي يشرّع
التنفيذ بشكله العام ويبرئ الموقعين من الحساب القانوني لكونهم ارتكبوا جريمة التطبيع والتعامل مع العدو خلافاً للقانون، ليبرروا عدم عرضه على الحكومة ومجلس النواب (مع أنه يمتلك الأكثرية لإقراره)، وذلك تجنباً لإحراج البعض بالتصويت وكشف هويته ومواقفه الحقيقية البعيدة عن التصريحات الإعلامية، وحتى لا يخضع لامتحان الوطنية والعداء لإسرائيل
بعضهم الآخر يتحدث عن أنه إنجاز تاريخي يمثل الطريق الوحيد لانسحاب إسرائيل وعودة الأهالي، دون أن يتذكر أن الاتفاق لا ينص على الانسحاب، بل على “إعادة الانتشار” المرتبطة بتأكد العدو من نوايا المقاومين بعدم تهديدهم ولو كلامياً!
وبعضهم يقول: “اطمئنوا، فإن هذا الاتفاق بحكم غير الموجود، ولا يقدم ولا يؤخر”.
لكن مقابل كل هؤلاء، تبدو أمريكا وإسرائيل أكثر صراحة ووضوحاً، فبادرت أمريكا الى تنصيب الجنرال “كوبر” قائد المنطقة الأمريكية الوسطى، حاكماً عسكرياً للبنان، وبدأ بتنفيذ بنود اتفاق واشنطن الموجود فعلاً _إلا عند ممثلي المقاومة _والغى “الميكانيزم “والقرارات الدولية وكان العدو ا أكثر صراحة بلسان رئيس وزرائه “نتنياهو” اثناء جولته في الجنوب، مُعلناً بإسمه وبإسم الحكومة اللبنانية ،عدم انسحابه، ووجوب رحيل المقاومين الجنوبيين من جنوب الليطاني و كل من لا يتعامل مع إسرائيل، فهو مقاوم وعليه الرحيل!
يعيش الجنوبيون ،أسرى التضليل والخداع وعدم قول الحقيقة ، ويتم خداعهم ،بمصطلحات لم تُستعمل سابقاً في أي اتفاق لوقف إطلاق النار ، ويعيشون حالة تناقض قاتل بين واقعهم وبين ما يسمعون:
– أولاً: تم إعلان وقف إطلاق النار في “واشنطن” و”إسلام آباد”، ولم يقف إطلاق النار والتدمير والاغتيالات، وعليهم أن يصدقوا ما
يسمعون ويُنكروا ما يرون بينما (الحقيقة ..ما ترون لا ما تسمعون)!
– ثانياً: تم إعلان المناطق التجريبية للانسحاب ، وظهر الكذب والخداع بالانسحاب من مناطق لم تكن محتلة أصلاً، وفق منظومة “بيع الوهم والإنجازات” للحكومة الحليفة لإسرائيل، وتقديم اسرائيل تنازلات وهمية غير موجودة.
– ثالثاً: تصنيف الجنوب بين مناطق “محتلة” ومناطق “تحت السيطرة النارية “الإسرائيلية، مما يجعل الجنوب كله تحت الاحتلال ، إما المباشر على الأرض أو بالسيطرة النارية الجوية، وتفاوض إسرائيل على أساس السيطرة بالنار وليس على أساس احتلال الأرض.
– رابعاً: لم يتبلّغ الجنوبيون من أي طرف رسمي أو حزبي، بإمكانية العودة إلى قراهم أو وجوب عدم العودة إليها، وفق ما يستدعيه عادة قرار وقف النار، وتم ترك الناس لمصيرهم وفق “ولاية الفرد” على نفسه وعائلته و”ولاية الجماعة” وولاية البلدية على اهل قريتها ، لتتحمل مسؤولية عودتها وقد عاد الناس رغم الخطر وعدم وجود مقومات الحياة ، ليفِرّوا من ذل النزوح إلى كرامة الصمود حتى الشهادة!
تؤكد الوقائع الحقائق التالية:
– أن لا وقف لإطلاق النار حتى الآن، إلا بشكل جزئي غير مضمون.
– لم يعد النازحون إلى قراهم في جنوب الليطاني إلا بشكل جزئي غير مستقر وغير آمن.
– غياب الدولة والمساعدات اللازمة لترميم غرفة ، حتى يستطيع النازح العائد البقاء في قريته.
– لا ضمانات بعدم عودة الحرب والنزوح، مما اضطر الأكثرية إلى الاحتفاظ بإيجار بيوتهم خارج قراهم، وعدم ترميم بيوتهم، والعيش يوماً بيوم.
إن اتفاق واشنطن وُلد من رحم التحالف الأمريكي_الإسرائيلي، وهو يكبر في الميدان والسياسة والإدارة ،لاجتثاث مشروع المقاوم وأهله، بالتلازم مع الصمت المطبق قانوناً وسياسة وشارعاً، والاكتفاء بالتصريحات، أو انتظار وصوله للمؤسسات الدستورية، أو تعميم الوهم بوجوب القناعة بأن الاتفاق قد مات وغير موجود فلا داعي للضرب في الميت الذي يقتلنا!
الحقيقة أن الجنوبيين خصوصاً، يعيشون الضياع والقلق والخداع، ولا يعرفون الحقيقة، إلا حقيقة واحدة.. أنهم يعيشون تحت النار الإسرائيلية وسياط الحكومة اللبنانية وتقصير ولاة أمرهم وعدم إبلاغهم الحقيقة.
الحقيقة أن الجنوبيين يرون ويسمعون صدق المقاومين الحسينيين في الميدان، وهم الأمل الأخير بعد الله سبحانه لتحقيق العودة ووقف النار…
يطالب الجنوبيون وأهل الضاحية والبقاع ،بأمرين…( وقف النار… والحقيقة).
د.نسيب حطيط




