الأربعاء - 01 يوليو 2026

الجوف في مرمى الصراعات الإقليمية.. لماذا الآن؟!

منذ ساعتين
الأربعاء - 01 يوليو 2026

د. أحلام الصوفي ||

 

 

 

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى مع خرائط النفوذ المحلي، تبرز محافظة الجوف اليمنية كإحدى أكثر الساحات حساسية وقابلية للاشتعال، ليس فقط لاعتبارات جغرافية أو قبلية، بل لأنها تقع في قلب توازنات سياسية وأمنية تتجاوز حدودها، وتمتد إلى عمق المشهد اليمني والإقليمي على حد سواء.

إن التساؤل: لماذا الجوف الآن؟ لا يأتي من فراغ، بل من قراءة دقيقة لتوقيت التصعيد وتزامنه مع تحولات إقليمية متسارعة، تتداخل فيها ملفات الحرب والسلام، وإعادة رسم مناطق النفوذ، ومحاولات إعادة تموضع الأطراف الفاعلة على الأرض. فالجوف، بما تمتلكه من موقع استراتيجي وثروات طبيعية وحدود مفتوحة، ليست مجرد محافظة هامشية في الجغرافيا اليمنية، بل نقطة تماس حساسة بين مشاريع متعددة تتنافس على التأثير والسيطرة.

في مثل هذه السياقات، لا يبدو التصعيد المحلي معزولًا عن المناخ الإقليمي العام، حيث تتجه بعض القوى إلى إعادة إنتاج أدوات الضغط التقليدية، وفي مقدمتها توظيف البُنى الاجتماعية والقبلية، وإعادة تحريك الملفات المحلية بما يخدم حسابات أوسع من حدود المحافظة نفسها. وهنا تصبح الجوف ساحة محتملة لاختبار توازنات جديدة، أو لإرباك معادلات قائمة، أو حتى لفتح مسارات تفاوض غير مباشرة عبر الضغط الميداني.

ولا يمكن إغفال دور استغلال المرتزقة والقوى المنفذة بالوكالة في هذا المشهد، حيث يتم الدفع بعناصر محلية أو تشكيلات غير نظامية لتأجيج التوترات على الأرض، بما يخفف من كلفة التدخل المباشر على القوى الإقليمية، ويمنحها مساحة أوسع لإدارة الصراع من خلف الستار. هذا النمط من “الحروب بالوكالة” يجعل من بعض المناطق ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، بينما يتحمل المجتمع المحلي وحده تبعات الفوضى والانقسام.

لكن الأخطر في المشهد ليس فقط تعدد الفاعلين، بل طبيعة الأدوات المستخدمة، إذ يُخشى من أن تتحول الخلافات المحلية أو الاحتكاكات القبلية إلى وقود لصراعات ذات أبعاد إقليمية، يتم تغذيتها إعلاميًا وسياسيًا بشكل ممنهج، بما يساهم في تعميق الانقسام المجتمعي وإضعاف النسيج الوطني.

إن قراءة توقيت التصعيد في الجوف تكشف أن المسألة لا تتعلق فقط بحدث آني، بل بسياق ممتد من إعادة تشكيل خرائط النفوذ، حيث تُستخدم المناطق الهشة أمنيًا واجتماعيًا كمساحات اختبار لمدى إمكانية فرض وقائع جديدة على الأرض. وفي المقابل، فإن غياب الوعي بخطورة هذا التوظيف قد يفتح الباب أمام مزيد من التداخلات التي يصعب التحكم بنتائجها لاحقًا.

وعليه، فإن الجوف اليوم ليست مجرد عنوان لتوتر محلي، بل مؤشر على مرحلة أكثر تعقيدًا من الصراع، تتطلب قراءة واعية تتجاوز الانفعال اللحظي، وتدرك أن ما يجري على الأرض قد يكون جزءًا من مشهد أكبر يُرسم بهدوء خارج الحدود، بينما يُنفذ على الأرض بأدوات محلية.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام الجميع: هل نحن أمام تصعيد عابر يمكن احتواؤه، أم أمام بداية إعادة تشكيل جديدة تُستخدم فيها الجغرافيا اليمنية كساحة لتصفية حسابات إقليمية أوسع؟

إن الإجابة على هذا السؤال لا تحدد فقط مستقبل الجوف، بل قد تعكس أيضًا ملامح المرحلة القادمة من المشهد اليمني بأكمله.

#ملتقى – الكاتبات-الثائرات