الأربعاء - 01 يوليو 2026
منذ ساعتين
الأربعاء - 01 يوليو 2026

رياض الفرطوسي ||

 

 

عندما يعود الباحث اليوم إلى كواليس التخطيط الغربي في تسعينيات القرن الماضي، وتحديداً إلى وثائق “الهندسة الوقائية” وصناعة الأنظمة البديلة، يدرك أن المأساة الراهنة لم تكن وليدة الصدفة، بل جرى رسمها ببرود شديد.

المشكلة الأزلية في واقعنا أننا نبرع في استهلاك وعينا بأرشفة تفاصيل صراعاتنا الجانبية التافهة، في حين نذهب نحو المستقبل بأعين مغمضة عن القوانين الحقيقية التي تصنع مصيرنا.

وربما كان هذا الوعي الغائب هو ما دفعنا، قبل ما يزيد عن عقدين( وتحديداً في منتصف شباط 2003، والأرض تهتز تحت نذر الغزو ) إلى تفكيك ذلك القادم الغامض في دراسة استشرافية مبكرة حذرنا فيها من تحالف الهياكل الهجينة والصعود المرعب لسياسات التفتيت التفتيت الاجتماعي؛

يومها لم يكن الأمر تنجيماً، بل قراءة علمية لنموذج سياسي صُمم لانتزاع سيادة الأوطان وتسييل جغرافيتها لصالح قوى عابرة للحدود.

اليوم، تبدو المعطيات الدولية والأبحاث الاستراتيجية الحديثة بمثابة مرآة تعكس تلك المخاوف القديمة؛ فالتحكم الخارجي لم يعد بحاجة إلى حضور عسكري خشن ومباشر، بل جرى استبداله بـ “دبلوماسية الدولار”، والقيود المالية، وإدارة الأزمات عن بُعد. النظام الذي تم هندسته أنتج طبقة هجينة من “الأوليغارشية” المحلية ( تحالف غير مسبوق بين نخب المال السياسي، والواجهات العسكرية)، وإعادة إنتاج الهويات الفرعية ككوابح تمنع تشكّل المشهد الوطني.

لقد تحولت الدولة بمؤسساتها العليا إلى مجرد غطاء دستوري أنيق، بينما تُدار الثروات كغنائم حرب في سوق مفتوحة، تتدفق عوائدها إلى الخارج ويُترك الشارع لمواجهة الفقر والإنهاك، تحت وطأة ضربات وتصفيات متبادلة تندرج دائماً تحت بند “الإنكار المقبول”.

في قلب هذا الانسداد التاريخي الممتد، تأتي الحملة الراهنة التي يقودها رئيس الوزراء علي الزيدي لتمثل صدمة حقيقية في بنية هذا النظام المتجذر.

إن التحركات الحالية لضرب شبكات الفساد الكبرى ومحاولة ملاحقة حيتان المال السياسي ليست مجرد إجراءات إدارية، بل هي مواجهة علنية لكسر قواعد الاشتباك التي فُرضت منذ عقود. غير أن خطورة هذه المعركة تكمن في أن الخصم ليس شخوصاً يمكن عزلهم بمرسوم، بل هي منظومة مصالح دولية وإقليمية متشابكة ترى في “الاستقرار الهش المبني على المحاصصة” البيئة المثالية لحماية مكاسبها؛

وبالتالي، فإن أي محاولة حقيقية لتأميم القرار الوطني وإعادة الثروة لأصحابها تعني إفساد “الوليمة” على المحتكرين.

إن ما تكشفه التحولات الجارية في المنطقة يؤكد أن القوى الهيمنية التي رصدنا حركتها قبل عقدين لم تغادر الساحة، بل أعادت تدوير أدواتها لتحدث لغة العصر.

الرهان اليوم لم يعد على ترقيع نظام متهالك من داخله، بل على قدرة الخطوات السيادية الشجاعة في انتزاع الدولة من مخالب هذه التوليفة المصنوعة. وبدون تفكيك حقيقي للجذور التي ترهن سيادة العراق، ستبقى كل حركات الإصلاح محاصرة في حقل ألغام، ويبقى وجه الوطن معلقاً بين مطرقة النهب المقنن وسندان تضحيات البسطاء.