سقوط الرمزية السياسية… المؤشر الأخطر على أفول الدولة..!
كاظم الطائي _Nor

ليست التحولات السياسية الكبرى وحدها ما يكشف حقيقة الأنظمة، بل كذلك التفاصيل الصغيرة التي تتسلل بهدوء إلى سلوك الناس ولغتهم ونظرتهم إلى السلطة. فعندما تتغير طريقة استقبال المجتمع لمسؤوليه، وعندما تفقد الرموز السياسية قدرتها على إثارة الاحترام أو حتى الاهتمام، فإن ذلك لا يعد مجرد تغير في المزاج العام، بل مؤشرًا على تحول أعمق يمس العلاقة بين الدولة ومواطنيها.
وفي علم السياسة، لا تُقاس قوة السلطة بما تمتلكه من مؤسسات أو أدوات نفوذ فحسب، بل بما تحتفظ به من رصيد أخلاقي وثقة مجتمعية. فالشرعية ليست نصًا دستوريًا ولا نتيجة انتخابية فقط، بل هي ذلك القبول الشعبي الذي يمنح الدولة قدرتها على الحكم باستقرار، ويجعل المواطن يرى في مؤسساتها امتدادًا لمصالحه لا عبئًا عليه.
ومن هذا المنطلق، تبدو بعض الحوارات العابرة أكثر قدرة على تفسير الواقع من عشرات البيانات الرسمية؛ لأنها تكشف ما يختزنه الوعي الجمعي من أحكام ومواقف لا تظهر في الإحصاءات، لكنها ترسم ملامح المرحلة بدقة.
في اتصال هاتفي جمعني بأحد الأشخاص من بغداد، التي تمثل مركز القرار السياسي في العراق، طرح عليّ سؤالًا بدا بسيطًا:
“كيف تسير الأمور؟”
أجبته: “ليست على ما يرام.”
فسألني: “كيف ذلك؟”
قلت له إن المؤشرات الحقيقية لا تُقرأ من البيانات الرسمية، وإنما من التحولات التي تصيب المزاج الشعبي. فلم يعد حضور المسؤول حدثًا يستدعي التفاف الناس حوله أو التنافس لالتقاط الصور معه، ولم تعد الجماهير تنظر إلى كثير من رموز السلطة بوصفهم مصدرًا للأمل أو مشروعًا للإصلاح، كما كان يحدث في مراحل سابقة.
فقاطعني قائلًا: “لم أسألك عن هذا.”
فأجبته: بل هذا هو جوهر القضية؛ لأن تراجع الرمزية السياسية ليس تفصيلًا هامشيًا، بل هو أحد أول مؤشرات تآكل الشرعية الاجتماعية لأي سلطة.
ثم عاد ليسأل: “وماذا بعد؟”
قلت له إن الأخطر من ذلك كله هو أن نظرة قطاعات واسعة من العراقيين إلى الطبقة السياسية قد شهدت تحولًا جذريًا. فالمسألة لم تعد مجرد خلاف سياسي أو تنافس انتخابي، بل أصبحت أزمة ثقة عميقة نتجت عن تراكمات طويلة من الإخفاقات والفساد وضعف الإدارة وتعطيل مؤسسات الدولة، الأمر الذي جعل العلاقة بين المواطن والسلطة تدخل مرحلة غير مسبوقة من القطيعة النفسية والاجتماعية.
بل إن الشارع العراقي نفسه بات يعبّر عن مستوى غير مسبوق من النفور، حتى إن بعض الأصوات فيه وصلت إلى حد القول إن بنات الليل أشرف من هذا السياسي الذي يدير مؤسسات البلد. وهذه العبارة، على قسوتها، لا تعكس موقفًا فرديًا بقدر ما تعبّر عن حجم الانهيار الذي أصاب صورة الطبقة السياسية في الوعي الشعبي، وهو مؤشر ينبغي التوقف عنده بجدية، لأنه يكشف اتساع الفجوة بين المجتمع والسلطة إلى مستويات بالغة الخطورة.
ولعل أكثر ما يكشف عمق هذه الأزمة أن بعض من يُطلق عليهم “الفاعلون السياسيون” باتوا يعتقدون أن استقطاب أفراد يعلنون تأييدهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو الترويج لذلك إعلاميًا، يمكن أن يعيد إليهم شيئًا من حضورهم أو يغيّر من وزنهم السياسي في الشارع العراقي. غير أن هذا الرهان يعكس، في حقيقته، قراءة خاطئة للواقع؛ لأن الشرعية لا تُصنع بالصور، ولا تُستعاد بالحملات الإلكترونية، ولا تُقاس بعدد المصفقين في الفضاء الرقمي.
إن اللجوء إلى هذه الأساليب يكشف، في جوهره، شعورًا داخليًا بفقدان المكانة السياسية والاجتماعية. فمن يدرك أنه ما زال يحظى بثقة الناس لا يحتاج إلى صناعة مشاهد مصطنعة لإثبات حضوره، أما من فقد رصيده الشعبي، فإنه يبحث عن بدائل إعلامية تعوض ما خسره على أرض الواقع. وهذا السلوك لا يعبر عن قوة، بل عن شعور دفين بأنهم سقطوا في نظر الشارع العراقي، وأنهم يحاولون تعويض هذا السقوط بوسائل دعائية لا تغير من الحقيقة شيئًا. فالسقوط الحقيقي يبدأ من الداخل، عندما يفقد السياسي ثقته بنفسه، قبل أن يفقد ثقة الناس به.
كما أن الطبقة السياسية قد استنفدت جميع شعاراتها، ولم يعد لديها ما تقدمه أو تقوله. ولذلك فإنها تعيش اليوم ما يمكن وصفه بمرحلة العار السياسي؛ مرحلة لم تعد فيها الخطابات قادرة على إقناع أحد، ولا الوعود قادرة على استعادة الثقة، ولا الوجوه القديمة قادرة على إخفاء حجم الانهيار الذي أصاب الحياة السياسية.
ساد الصمت بعد هذه الملاحظة، وكأن الكلمات لامست حقيقة يصعب تجاوزها. فحين يصل المجتمع إلى مرحلة يفقد فيها ثقته بالنخب الحاكمة، فإن الأزمة تتجاوز حدود السياسة لتتحول إلى أزمة بنيوية تمس مفهوم الدولة ذاته.
إن أخطر ما يواجه الدول ليس ارتفاع مستوى النقد، وإنما انهيار الرصيد الأخلاقي للسلطة في الوعي الجمعي. فعندما يشعر المواطن بأن مؤسسات الحكم لم تعد قادرة على حماية المال العام، أو تحقيق العدالة، أو توفير الحد الأدنى من الخدمات، فإن الشرعية تبدأ بالتآكل تدريجيًا، حتى وإن بقيت الهياكل الدستورية قائمة.
من هنا، فإن الأزمة العراقية لم تعد أزمة حكومات متعاقبة فحسب، بل أصبحت أزمة ثقة بين الدولة والمجتمع. وهذه الأزمة لا تُعالج بتغيير الخطاب السياسي أو تبديل الوجوه، وإنما بإعادة بناء منظومة الحكم على أسس الكفاءة والمساءلة وسيادة القانون؛ لأن استعادة ثقة الشعوب أصعب بكثير من الوصول إلى السلطة.
لقد سجلت هذه الواقعة وغيرها في مذكرات شخصية، ليس بدافع تسجيل موقف، وإنما رغبة في توثيق مرحلة مفصلية من تاريخ العراق؛ مرحلة انتقل فيها البلد، في نظر كثير من المراقبين، من فساد يمكن احتواؤه إلى حالة أكثر تعقيدًا، أصبح فيها الفساد خطرًا يهدد بنية الدولة نفسها ويقوض قدرتها على أداء وظائفها الأساسية.
إن التاريخ لا يكتب فقط ما فعلته السلطات، بل يدوّن أيضًا كيف نظرت إليها الشعوب. ولعل هذه هي الحقيقة الأهم؛ فمتى ما ترسخت أزمة الثقة في الوعي الجمعي، أصبحت أخطر من أي أزمة سياسية عابرة، وقد تمثل بداية مسار انحدار مفتوح يهدد الدولة ومؤسساتها، ما لم تُستعد هذه الثقة عبر إصلاحات حقيقية وجادة. وحينها، قد لا يقتصر الأمر على تراجع النفوذ السياسي، بل قد يصل إلى إبعاد تلك الوجوه عن المشهد السياسي العراقي بشكل كامل.




