الأربعاء - 01 يوليو 2026

النفاق السياسي… حين يصبح أخطر من الفساد نفسه..!

منذ ساعتين
الأربعاء - 01 يوليو 2026

كندي الزهيري ||

 

 

 

ليست كل الدول التي انهارت و سقطت بسبب الغزو الخارجي أو الأزمات الإقتصادية، بل إن كثيرًا منها بدأ انهياره يوم أصبح النفاق السياسي ثقافةً (للحكم)، ومنهجًا لإدارة الدولة، وأداةً لحماية المصالح على حساب الحقيقة.

فالفساد يسرق المال، أما النفاق السياسي فيسرق الوعي. والفساد ينهب خزينة الدولة، أما النفاق فينهب ثقة المجتمع، ولا توجد دولة تستطيع البقاء طويلًا إذا فقد شعبها الثقة بكل ما يصدر عن مؤسساتها. النفاق السياسي لا يعني مجرد الكذب، بل هو أن يتحول الخطاب العام إلى مسرح كبير؛

تُرفع فيه شعارات الإصلاح بينما تُحمى منظومات الفساد، وتُعلن الحرب على الفاسدين بينما يبقى “كبارهم” خارج دائرة المساءلة، ويُتحدث عن العدالة بينما تُطبق بمعايير مزدوجة، ويُرفع شعار الوطن، بينما تُقدَّم المصالح الحزبية والشخصية على المصلحة الوطنية. إن أخطر ما يفعله النفاق السياسي أنه يُربك البوصلة الأخلاقية للدولة. فالمواطن لم يعد يعرف أين الحقيقة، ومن الصادق، ومن الكاذب. الجميع يتحدث بإسم الشعب، والجميع يدّعي الدفاع عن الوطن، والجميع يرفع الشعارات نفسها، بينما الواقع يزداد سوءًا عامًا بعد آخر .

وعندما يصبح النفاق هو اللغة الرسمية، تتحول المؤسسات إلى أدوات للعلاقات العامة، بدل أن تكون أدوات لإنتاج الحلول… ويصبح الإنجاز مجرد مؤتمر صحفي، والإصلاح مجرد بيان إعلامي، والوعود مشروعًا دائمًا لا يصل أبدًا إلى مرحلة التنفيذ.

والأخطر من ذلك أن النفاق السياسي لا يحمي الفاسدين فقط، بل يصنع فاسدين (جدداً). فهو يرسل رسالة خطيرة لكل مسؤول مفادها: ليس المهم أن تعمل… بل المهم أن تتقن تسويق نفسك، وليس المهم أن تنجز… بل أن تمتلك خطابًا يُخفي الفشل. عندها تصبح الكفاءة عبئًا، بينما تتحول المبالغة والتبرير وتزييف الواقع إلى مهارات تضمن البقاء في السلطة.

ومن زاوية إستراتيجية، فإن الدول لا تنهار لحظة وقوع الأزمة، بل عندما تفقد قدرتها على الإعتراف بها، فكل أزمة يمكن علاجها إذا وُجدت الشفافية، أما إذا أُخفيت الحقائق وزُيّنت الإخفاقات، فإن الأزمة تتحول إلى أزمة مركبة يصعب احتواؤها.

وإن التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات لم تسقط عندما ضعفت جيوشها فقط، بل عندما أصبح مسؤولوها يخشون قول الحقيقة للحاكم، وعندما أصبحت التقارير تُكتب لإرضاء أصحاب (القرار) ، لا لوصف الواقع… هنا يبدأ الإنهيار بصمت، ثم يتسارع حتى يصبح الإصلاح أكثر كلفة من الإنهيار نفسه.

لذلك فإن أخطر سؤال يجب أن تطرحه الشعوب ليس: من هو الفاسد؟ بل: من الذي وفر له الغطاء؟ ، ومن الذي برره؟ ، ومن الذي صفق له؟ ، ومن الذي أدعى محاربته علنًا وحماه سرًا؟.

لأن النفاق السياسي هو المصنع الذي يُنتج الفساد، وهو المظلة التي تحميه، وهو البيئة التي تسمح له بالنمو والتمدد.

إن الدول لا تحتاج إلى مزيد من الخطباء، بل إلى مسؤولين يملكون شجاعة الإعتراف قبل الادعاء، وشجاعة التصحيح قبل التبرير، وشجاعة تحمل المسؤولية قبل البحث عن شماعات للفشل…

فالوطن لا يسقط عندما يرتفع صوت المعارضة، بل عندما يختفي صوت الحقيقة، ولا ينهار عندما يختلف السياسيون، بل عندما يتفقون جميعًا على خداع الناس.

إن أخطر تهديد للأمن الوطني ليس العدو الذي يقف على الحدود، بل النفاق السياسي الذي يقف خلف المنصات، لأنه يقتل الحقيقة، ويُفرغ الدولة من مضمونها، ويجعل انهيارها يبدأ من الداخل قبل أن يراه أحد من الخارج.