الاثنين - 29 يونيو 2026

قبل أفوات الأوان: على السعودية أن تكترث لليمن كدولة وازنة في المنطقة..!

منذ ساعتين
الاثنين - 29 يونيو 2026

محمد علي اللوزي ||

 

تبدو المنطقة اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة، تتطلب من صناع القرار في الرياض قراءة المشهد بواقعية بعيداعن الحسابات القديمة التي حكمت سنوات الحرب الماضية. فاليمن الذي دخل الحرب قبل أكثر من عقد ليس هو اليمن الذي يقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من تاريخه السياسي والعسكري والشعبي.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الرهان على إخضاع اليمن أو دفعه إلى القبول بمعادلات الارتهان والتبعية قد فشل بصورة واضحة. فالحرب الطويلة والحصار الشامل لم يؤديا إلى كسر الإرادة اليمنية، بل أسهما في تعزيز حالة الصمود الوطني، وولّدا واقعا جديدا أصبح فيه اليمن أكثر قدرة على امتلاك قراره السيادي وأكثر استعداداللدفاع عن حقوقه ومصالحه الوطنية.

واليوم يبرز سؤال جوهري أمام القيادة السعودية: هل تتعظ من دروس الحرب وتبادر إلى انتهاج طريق السلام بصدق وحنكة سياسية،؟!

أم تستمر في سياسة المماطلة واستعداء اليمن حتى تجد نفسها أمام تداعيات لا يمكن السيطرة عليها؟

إن المتابع للمشهد اليمني يلاحظ أن حالة التعبئة الشعبية الواسعة التي جاءت استجابة لتوجيهات قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي تعكس مستوى غير مسبوق من الجهوزية والاستعداد الشعبي. فاليمنيون ينظرون إلى المرحلة الحالية باعتبارها مرحلة حاسمة في مسار استكمال التحرر الوطني وانتزاع الحقوق السيادية الكاملة، وإنهاء كل أشكال الوصاية والتدخل الخارجي.

ومن هنا فإن الرسائل الصادرة من صنعاء لم تعد مجرد مواقف سياسية أو إعلامية، بل تعبير عن واقع جديد تشكل خلال سنوات المواجهة. واقع يقوم على امتلاك أدوات الردع، وعلى قناعة شعبية راسخة بأن الاستقلال الكامل لا يمكن أن يتحقق إلا بفرض احترام السيادة الوطنية وإنهاء الحصار ومعالجة آثار الحرب.

لقد راهنت المملكة خلال السنوات الماضية على أن عامل الوقت سيؤدي إلى إنهاك اليمن أو إحداث اختراقات في الجبهة الداخلية، إلا أن هذه الرهانات لم تحقق أهدافها. فبدلا من الانقسام والانهيار، أظهر المجتمع اليمني قدرا كبيرا من الوعي تجاه ما يصفه بمشاريع الاستنزاف والاحتواء، الأمر الذي جعل استمرار حالة اللا حرب واللا سلم يفقد جدواه يومابعد آخر.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الهدنة القائمة عاجزة عن الاستمرار إلى ما لا نهاية إذا لم تتحول إلى سلام حقيقي وشامل يعالج جذور الأزمة. فاليمنيون يرون أن الهدنة لا يمكن أن تكون بديلا دائماعن الحلول الجذرية، ولا غطاء لاستمرار الحصار أو تأجيل الاستحقاقات الإنسانية والاقتصادية.

كما أن مؤشرات الاحتقان والتصعيد المتبادل تثير مخاوف متزايدة من العودة إلى مرحلة المواجهة المفتوحة، وهي مرحلة ستكون أكثر تعقيداوخطورة من كل ما سبقها، نظرا للتغيرات الكبيرة التي شهدتها موازين القوى خلال السنوات الأخيرة.

ومن وجهة نظر القوى المناهضة للتحالف، فإن معادلات الردع التي جرى الحديث عنها مرارا لم تعد مجرد شعارات، بل أصبحت جزءامن التصور العسكري والسياسي القائم على مبدأ المعاملة بالمثل، بما يعني أن أي تصعيد أو حصار قد يقابله رد مماثل يستهدف المصالح الحيوية للطرف الآخر.

ولهذا فإن المخرج الأكثر عقلانية لجميع الأطراف يتمثل في الإسراع بتنفيذ خارطة الطريق والتفاهمات القائمة، والانتقال من مرحلة الوعود إلى مرحلة التنفيذ العملي، بما يشمل معالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية واحترام السيادة اليمنية وتهيئة الظروف لسلام دائم ومستقر.

إن السلام اليوم ليس مصلحة يمنية فحسب، بل مصلحة سعودية وإقليمية أيضا. وكلما تأخر اتخاذ القرار الشجاع، ازدادت كلفة الأزمة وتعقدت مساراتها. أما الاستمرار في سياسة الانتظار والمراهنة على متغيرات غير مضمونة، فقد يفتح الباب أمام تطورات لا يرغب بها أحد.

ويبقى الخيار بيد صناع القرار في الرياض: إما استيعاب التحولات العميقة التي شهدها اليمن خلال السنوات الماضية والانخراط الجاد في صناعة سلام حقيقي، وإما الاستمرار في النهج السابق وتحمل ما قد يترتب عليه من أزمات وتوترات جديدة في منطقة لم تعد تحتمل المزيد من الصراعات.

ويبقى القول: إن الرسالة التي حملتها توجيهات السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي الأخيرة يمكن فهمها باعتبارها دعوة مزدوجة؛ دعوة للسلام العادل القائم على الحقوق والسيادة، وفي الوقت ذاته تأكيد على ضرورة الجهوزية الكاملة لمواجهة أي محاولات لفرض الأمر الواقع أو استمرار الحصار والضغوط.

فاليمن، وفق هذا التصور، لا يسعى إلى الحرب بوصفها خيارا أوليا، لكنه يؤكد امتلاك الإرادة والقدرة على الدفاع عن حقوقه الوطنية إذا فُرضت عليه المواجهة. ومن هنا تتجلى أهمية المرحلة الحالية باعتبارها لحظة اختبار حقيقية لجميع الأطراف المعنية.

وإذا فآن اليمن والسعودية اليوم أمام مفترق طرق تاريخي فإما الانتقال الجاد نحو تسوية شاملة تنهي آثار سنوات الحرب وتفتح صفحة جديدة من العلاقات القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وإما استمرار حالة الجمود التي تحمل في طياتها مخاطر كبيرة على أمن المنطقة واستقرارها.

ومع استمرار الجهوزية الشعبية والعسكرية التي أكدت عليها توجيهات قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، يبقى السلام الخيار الأقل كلفة والأكثر فائدة للجميع، لكنه سلام يتطلب قرارات شجاعة وخطوات عملية تترجم الأقوال إلى أفعال، قبل أن تفرض التطورات الميدانية والسياسية مسارات أكثر تعقيدا وصعوبة قبل ان يحدث مالا يحمد عقبه

وهنا يصدق قول الشاعر:
نصحتهم قومي بمنعرج اللوى
فلم يستبينوا النصح الاضحى الغد