الجمعة - 26 يونيو 2026
منذ 35 دقيقة
الجمعة - 26 يونيو 2026

الكاتب والباحث والاكاديمي صلاح الاركوازي ||

 

 

 

سلسلة مقالات ….. الامام الحسين عليه السلام ومدرسة طف كربلاء.. الدروس والعِبر/ 29

2 – كسر احتكار الرواية الرسمية (صناعة الإعلام البديل)
في العصر الأموي، كانت السلطة تحتكر وسائل توجيه الرأي العام عبر الولاة والقصّاصين والمنابر الرسمية التي صوّرت نهضة الحسين كـ”فتنة داخلية”.
الخطابة التفكيكية: تميزت خطب السيدة زينب بقدرتها على تفكيك لغة السلطة. في الكوفة، ذكّرت الجماهير بهويتهم وتاريخهم ووبختهم على “ازدواجية الموقف” (البكاء مع استمرار التخاذل)، مما أحدث شرخاً في الجبهة الداخلية للولاة.
إدخال القضية إلى النواة الصلبة للسلطة: في دمشق، لم تتوجه بالخطاب إلى العامة فقط، بل خاطبت رأس الهرم السياسي (يزيد) بلغة ندّية وصارمة، كاشفةً أمام قادة جيشه وحلفائه الأجانب زيف ادعائه بتمثيل الإسلام.
3 – التحول من “الحدث العابر” إلى “المؤسسة الثقافية”
العامل الأهم في دور السيدة زينب كان نقل واقعة الطف من تفاصيل معركة جرت في يوم واحد (10 محرم) إلى مؤسسة فكرية عابرة للأجيال:
تأسيس أدبيات المظلومية الواعية: وضعت اللبنات الأولى لمجالس العزاء والندب الواعي، والتي لم تكن مجرد طقوس عاطفية، بل كانت قنوات سياسية وإعلامية سرية وعلنية لتداول مبادئ رفض الظلم.
تأمين الامتداد التاريخي: من خلال حمايتها للإمام زين العابدين ورعايتها للأيتام والنساء، حافظت على الكتلة البشرية والفكرية التي حملت أسرار النهضة وتفاصيلها الدقيقة، ولولا هذا الدور لضاعت معالم المعركة وتفاصيلها تحت ركام الدعاية الأموية.

انتهت المواجهة العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، بفرض طهران لمعادلة ردع جديدة كرست إخفاق المحور الغربي-الإسرائيلي في تحقيق أهدافه الاستراتيجية. على الرغم من الفارق الهائل في الترسانة العسكرية التقليدية والتفوق التكنولوجي، فإن قراءة مسار الصراع وأبعاد “مذكرة التفاهم” الأخيرة تشير إلى أن طهران نجحت في تحويل الضغط العسكري إلى مكاسب جيوسياسية؛ مما دفع كبرى الصحف العالمية، مثل “الإندبندنت” البريطانية، للإقرار علناً بأن “أمريكا خسرت حربها مع إيران”.
1 – عسكرة مضيق هرمز: السلاح الاقتصادي الشامل
أبرزت الحرب أن إيران لا تحتاج إلى تفوق جوي تقليدي لتوجيه ضربة قاصمة لخصومها، بل استخدمت الجغرافيا السياسية كسلاح عبر التحكم في مضيق هرمز.
الضغط على الشرايين العالمية: أدى التهديد الفعلي لتدفقات الطاقة واضطراب الملاحة إلى قفزات غير مسبوقة في أسعار النفط والغاز، مما فرض ضغوطاً تضخمية هائلة على الاقتصاد العالمي والداخل الأمريكي.
ورقة ضغط دائمة: خروج طهران من الحرب مع الاحتفاظ بالقدرة الكاملة على توظيف المضيق كورقة ضغط اقتصادي، جعل أي اتفاق سياسي قادم يصب في صالحها استراتيجياً.
2 – عقيدة “حرب المعادلات” والدفاع السلبي
دخلت واشنطن والكيان المواجهة بعقلية “عاصفة الصحراء” الخاطفة، مستندة إلى كثافة النيران والضربات الجوية لتدمير البنية التحتية، لكنها صُدمت بـاستراتيجية الصمود الطويل الإيرانية.
التحصين العميق والدفاع السلبي: نجحت طهران على مدى عقود في بناء منشآت صاروخية ونووية مدفونة في أعماق الجبال والتحصينات الجيولوجية، مما جعل الضربات التقليدية، وحتى القنابل الخارقة للمخابئ، غير قادرة على شل مجهودها الحربي.
اللامركزية القيادية: تم تصميم بنية الحرس الثوري الإيراني والقوات المسلحة على أساس القيادة اللامركزية، مما أفشل “ضربات قطع الرأس” وحافظ على استمرارية المنظومة الدفاعية والهجومية للبلاد.
3 – معضلة “الردع غير المتناظر” وحدود القوة التقليدية
أثبتت مجريات الحرب أن تفجير الأهداف العسكرية والبنى التحتية لا يمكنه إجبار دولة بحجم إيران وعمقها الجغرافي البشري على الاستسلام.
المرونة الأيديولوجية والاقتصادية: اعتادت إيران على العيش تحت وطأة العقوبات الخانقة لعقود، مما منح مجتمعها ومؤسساتها “صلابة أيديولوجية واقتصادية” وقدرة عالية على تحمل تبعات الحرب، مقارنة بالمجتمعات الغربية الحساسة جداً للمستويات المعيشية والأمنية.
بنية النظام المزدوجة: حال وجود منظومة أمنية وعسكرية مزدوجة (الجيش النظامي إلى جانب الحرس الثوري) دون أي اختراق داخلي أو تفكك في مستويات السلطة، على عكس الرهانات الغربية التاريخية.
4 – المأزق الإسرائيلي وانفصام الأهداف
شكل الموقف الإسرائيلي بقيادة بنيامين نتنياهو عبئاً استراتيجياً على واشنطن بدلاً من أن يكون رافعة لها.
تضارب الأولويات: في حين كانت واشنطن تبحث عن مخرج دبلوماسي سريع يضمن استقرار أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي قبل توقيع مذكرات التفاهم، استمر الكيان في الدفع نحو توسيع رقعة الحرب (سواء في جنوب لبنان أو الجبهات الأخرى)، مدفوعاً بـ”هوس إضعاف طهران المطلق” لحماية أمنه الوجودي.
اتساع جبهة الاستنزاف: عجز الكيان عن حسم معاركه بشكل حاسم، وتحوله إلى حالة استنزاف دائم على جبهات متعددة، أضعف الموقف التفاوضي للمحور بأكمله وأظهر حدود القوة العسكرية الإسرائيلية في مواجهة حلفاء إيران الإقليميين.
خلاصة استراتيجية: > لم تكن الخسارة الأمريكية-الإسرائيلية عسكرية بالمعنى التقليدي (أي تدمير الجيوش في الميدان)، بل كانت خسارة استراتيجية في حرب الإرادات وحسابات التكلفة والعائد. خرجت طهران من هذه المواجهة بترسانة أثبتت فاعليتها، وبنفوذ إقليمي لم يتفكك، وباتفاقيات تفرض فيها شروطها، مستغلة حاجة النظام الدولي الملحة للاستقرار، ومؤكدة أن زمن الهيمنة الأحادية والحروب الخاطفة في الشرق الأوسط قد ولى دون رجعة.
أن في كربلاء ومن أرضها وبطولاتها تم الاعلان عن تأسيس وأطلاق قكرة أو نظرية “الخلود الرمزي المرتبط بالحق المطلق”.
نعم، إنها عقيلة الطالبيين، السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب (عليهما السلام).
هذه الكلمة التاريخية الوجيزة والمدوية: «ما رأيتُ إلا جميلاً»، لم تكن مجرد إجابة عابرة في مجلس الطاغية عبيد الله بن زياد، بل كانت البيان الختامي والمعرفي لملحمة كربلاء بأكملها، وإعلان السقوط المدوي لمنطق القوة المادية أمام منطق القوة الروحية والفطرية.
إذا أردنا تفكيك هذا العمق الزينبي المعجز، نجد أن هذه الكلمة تختصر جوهر مدرسة العشق والتضحية الفطرية في عدة نقاط:
1 – الرؤية الملكوتية (ما وراء المادة)
حين نظر ابن زياد إلى مشهد كربلاء، نظر بعين “المادة والتشفي”، فرأى أجساداً ممزقة، ورؤوساً مرفوعة على الرماح، ونساءً مأسورات، فظن أنه انتصر. أما السيدة زينب (ع)، فقد نظرت بـ “عين البصيرة والملكوت”؛ لم ترَ فعل الأعداء القبيح، بل رأت فعل الشهداء النبيل وتجلّي الطاعة والوفاء الإلهي في أبهى صوره. رأت تضحية قُبلت عند الله، فصار القبح المادي جماداً، والجمال الأخلاقي خلوداً.
2 – تمام الرضا والتسليم
العبارة تعكس ذروة الطمأنينة والفناء في مشيئة الله. إنسانة تمر بكل تلك المصائب؛ من فَقْد الإخوة والأبناء، إلى حرق الخيام والسبي، ومع ذلك لا يتطرق إلى قلبها الشك أو الاعتراض على القضاء الإلهي، بل ترى في هذا البلاء “اصطفاءً وتكريماً” لإخوتها الذين نالوا وسام الشهادة. هذا هو العشق الفطري في أعلى مراتب صعوده الروحي.
3 – الصدمة النفسية والإعلامية للطغاة
قلبُ الطاولة على الجلاد؛ فالعدو أراد من سؤاله الشامت (“كيف رأيتِ صنع الله بأخيك؟”) أن يكسر كبرياءها ويسمع منها أنيناً أو شكوى تُعلن هزيمة المشروع الحسينى. لكن جوابها الصاعق حوّل مجلس المنتصر عسكرياً إلى مجلس مهزوم نفسياً وأخلاقياً. لقد أفهمته أن الحسين لم يُهزم، بل انتصر لأنه حقق غايته الدينية والإنسانية العليا.
4 – تحويل المأساة إلى حافز تاريخي
بسبب هذه الروح الوثابة التي قادت بها السيدة زينب (ع) قافلة السبايا، تحولت “كربلاء” من واقعة يراد طمسها إعلامياً وتاريخياً في صحراء كربلاء، إلى ثورة ممتدة عبر العصور. لقد كانت لسان الحسين الناطق، والدرع الفكري الذي حمى التضحيات الفطرية من أن تضيع، وصاغت من الدموع والآلام مدرسة تصنع الأحرار في كل زمان ومكان.
حقاً، إنها ابنة عليّ؛ ورثت منه بلاغة البيان، وشجاعة الموقف، وعمق المعرفة بالله. فكانت الشريك الكامل للإمام الحسين في صناعة هذه الملحمة الخالدة.
اعتبار “طف كربلاء” مدرسة وليس مجرد واقعة تاريخية أو معركة عسكرية، يرجع إلى كونها تحولت إلى منظومة فكرية، وأخلاقية، وتربوية متكاملة، عابرة للزمان والمكان. المعارك تنتهي بانتهاء ظروفها السياسية، أما “المدرسة” فهي التي تُنتج قِيماً ومناهج صالحة للتطبيق في كل عصر.