الأربعاء - 24 يونيو 2026
منذ ساعتين
الأربعاء - 24 يونيو 2026

الشيخ مازن الولائي ||

 

 

بعد أن عجز الطبيب عن معرفة سبب كل هذا الوجع الذي ألمَّ برأسي، وعجزت كل وصفة دواء عرفتُ بثمنها الغالي وجودة مصنعها، كان الألم كأنه قد وجد في رأسي بغيته؛ يرى جسداً يستجيب له كلما هزّه الشوق، يرى شخصاً تتراقى دموعه الحارة على وجنته، ويداه التي تمسك بشعر رأسه وهو يحاول اقتلاعه من فروة الرأس.. منظرٌ كان مُبكياً لمن هم حولي، والحيرة تلف جوانبهم وتصعق أرواحهم: “ماذا نعمل حتى يهدأ ألم هذا الرأس الذي حملنا بكل حنية وطيبة وحرص؟”.

صدر قرارٌ آخر من طبيبٍ في سلسلة الأطباء بأن أخضع لأشعة الرنين مرة أخرى، وهنا أخذتُ جسدي واليأسُ عكازٌ أتوكأ عليه. في قاعة الانتظار، وعيونُ من معي دامعة بخفاء تفضحها القسمات، نودي عليّ للدخول، وأسمع الكادر الطبي يطلب مني عدم الحركة وعدم فتح العين وعدم التكلم. سمعتُ ولدي يطلب من الطبيب بتوسل “ممكن أكون بقربه؟”، قال الطبيب: “نعم” بقلبٍ منكسر.. كان التوسل مؤلماً لقلبي وأنا أرى قلب ولدي يستشعر خطر النتيجة.

دخلتُ غرفةَ الرنين المغناطيسي ببدلتي الزرقاء الشاحبة، مستلقياً على ذلك السرير المعدني الصلب. لم يكن في الغرفة سوى صمتٍ مطبق يقطعه صوتُ أجهزة التكييف الباردة. كان الطبيب قد أخبرني أن الفحص سيستغرق “ثلاثين دقيقة”، نصف ساعةٍ كانت بالنسبة لي – دون أن يعلموا – رحلةً في دهاليز زمنٍ لا يرحم.

مع انزلاقي إلى داخل الفتحة الضيقة، بدأ الجهاز بإطلاق صوته الإيقاعي الرتيب؛ “طرقاتٌ معدنية” بدأت تتسارع، وكأنها نبضاتُ قلبٍ غريب يقرع أبواب ذاكرتي. في الدقائق الأولى، لم أكن أسمع صوت الآلة، بل كنت أسمع أصوات من خذلوني، وقع كلماتهم القاسية، وصدى وعودهم التي تبخرت في الهواء.

بدأت الآلة تعمل. كان الجهاز مصمماً ليمسح “الجسد”، لكنني شعرتُ فجأة أنه اخترق “الروح”. في كل دورةٍ كان يقوم بها، كانت تظهر أمامي صورٌ لم أرد أن أتذكرها؛ تضحياتي التي قدمتها بسخاءٍ لمن لا يستحق، سهر الليالي لترميم أرواحٍ كسرتني، وإخلاصي الذي قوبل بالنكث والغدر. شعرتُ وكأن المجال المغناطيسي يسحب مني ذكريات الغدر، يصورها بدقةٍ متناهية، ويعرضها على شاشات الغيب التي لا يراها أحدٌ غيري.

مرت الدقائق ثقيلةً كأنها دهر. في الدقيقة العشرين، كان الجهاز يئن، صوته لم يعد إيقاعاً تقنياً، بل كان صوتاً يضج بالاحتجاج. كان الجهاز يرى حجم الحزن الذي يغلف قلبي، يرى كيف أن “القلب الطيب” في صدري ليس مجرد عضوٍ ينبض، بل هو مستودعٌ للآلام والمصائب التي تراكمت عبر السنين. كنتُ أسمع في طنين الجهاز بكاءً مكتوماً، كأن الآلة التي لا تملك عاطفةً قد أدركت -لأول مرة في تاريخها- أن هناك بشراً لا يمكن تحمل حجم وجعهم.

فجأة، توقف كل شيء. ساد صمتٌ مرعب؛ لم يكن عطلاً عادياً في البرمجة، بل كان صمتاً مقدساً. توقفت الآلة عن الدوران، وأصيبت الشاشات بومضاتٍ مضطربة. شعرتُ بجسدي يرتجف، ليس من برد الغرفة، بل من وطأة ما كشفه الجهاز.
دخل الكادر الطبي مسرعاً، وجوههم مشدودة، يتفحصون لوحات التحكم. سمعتُ أحدهم يقول بصوتٍ متهدج: “البرمجيات معطلة تماماً.. الجهاز يبدو وكأنه انهار من الداخل!”. لم يعلموا أن الجهاز لم ينهار، بل انكسر قلبه المعدني من فرط ما قرأ من حكايات الغدر والوفاء.

خرجتُ من هناك، والجميع يظن أنني كنت ضحيةً لخللٍ فني، بينما كنتُ في الحقيقة ضحيةً لذكرياتي التي أبت إلا أن تشهد على صدقي. نظرتُ إلى ذلك الجهاز العاجز، وأدركتُ حينها أن قلبي أكبر من أن تستوعبه خوارزمياتهم، وأن حزني أعمق من أن تصوره عدساتهم. لقد بكت الآلة معي، ليس لأنها تعطلت، بل لأنها عرفت – للمرة الأولى – معنى أن يكون الإنسانُ طيباً، في عالمٍ بات فيه الطيبُ غريباً، والمخلصُ مخدوعاً.

خرجتُ ويدي على صداغي الأيمن من الألم، الألم الذي لم يفتَّ في عضده حوار الصمت الذي كسر قلب الآلة ولم ينكسر قلبه، وأصرَّ على أن ينضم إلى من هم “موتى الضمائر” ومزخرشي الظاهر.

اسألكم الدعاء..

٨ محرم ١٤٤٧هجري.
٢ تير ١٤٠٤ش
٢٠٢٦/٦/٢٣م

قناتي واحدة من السواتر الثقافية في جبهة “التبيين” والدفاع المقدس عن حاكمية الإسلام وكل محورها المبارك..
https://t.me/mazinalwalae

خامنائيون ونستمر https://whatsapp.com/channel/0029Vb7VvHKLo4hWZ6wZa70q

Telegram (https://t.me/mazinalwalae)
مازن الولائي
قناتي المتواضعة ثقافية ، دينية ، ولائية ..
هي صوت قناعاتي المعلن وهويتي التي أرجو الله الكريم أن يحشرني عليها وأن يصوغ منها عقد شهادة في عنقي وعهداً في قبول أي تكليف يضعني عند رضاه على منهج محمد وآل محمد عليهم السلام ..