الأحد - 21 يونيو 2026
منذ 26 ثانية
الأحد - 21 يونيو 2026

د. أمل الأسدي ||

 

 

من أيامٍ والفضولُ يتلاعبُ به، نفى كلَّ هدوئِه وسكينتِه، فكلما وضعَ رأسَه على الوسادةِ، تفرُّ عيناه منه وتورثانه السهرَ!!
ترى ماذا يفعلُ والدُه منذ أيامٍ؟
لماذا يدخلُ المطبخَ ويغلقُ البابَ؟
قرر أن يعرفَ السرَّ!
لا بدَّ من ذلكَ!!
في ذلك المساءِ، بدأ يراقبُه من ثقبِ البابِ، فرآه يجلسُ، ويستخرجُ صندوقاً خشبيّاً من تحت (الكاونتر) وبجنبه جهازُ المسجلِ، فأخرجَ مجموعةً من (أشرطة الكاسيت) وأخذ يشغّلُها، ويقلبُها على الوجهِ الآخرِ ويشغلُها أيضاً!!
وبعد أن ينتهي من الاستماعِ لكلِّ شريطٍ، كان يقصُّ ورقةً بيضاءَ ويكتبُ عليها، ثم يلصقُها بشريطٍ شفافٍ!!
وهكذا أكملَ مجموعةً من الأشرطةِ، ثم أعادَها في صندوقٍ آخرَ، وغلّفَه بقطعةٍ من (النايلون) السميكِ، ودفعَها تحتَ (الكاونتر)!!
في صبيحةِ اليومِ التالي، ذهبتْ أمُّه إلى السوقِ، ووالدُه في عملِه، وأختُه تغطُّ في نومٍ عميقٍ، وأخوه في المدرسةِ، فقال في نفسِه: إذن، لأباشرْ حملةَ إرضاءِ الفضولِ!
استخرجَ الصندوقَ الأولَ، وسحبَ منه شريطاً، وشغّله، فإذا بصوتٍ قديمٍ وحزينٍ يصدحُ: “صحنا بيك آمنا، يا حسين بضمايرنا…”
اختنقَ بعبرتِه، وأوقفَ المسجلَ بسرعةٍ، واستخرجَ (الكاسيت)، لكن الشريط بقي عالقاً داخلَ المسجلِ، فاضطر إلى قطعِه، ثم أعادَ كلَّ شيءٍ إلى مكانِه، وبقي يترقبُ، ويفكرُ في اللحظةِ التي سيكتشفُ فيها والدُه الأمرَ!!
عادتْ أمُّه من السوقِ، وما زالتْ تنظرُ إليه وكأنها تغوصُ خلفَ وجهِه!!
“علي شبيك؟ شو وجهك أصفر!!”
لم يستطعْ إخفاءَ الأمرِ عنها، باح لها بكلِّ شيءٍ، فقالتْ له: إنها ستذهبُ عصراً لتشتري طلاءَ الأظافرِ وتصلحَ الشريطَ، وطلبتْ منه ألا يقحمَ نفسَه في أمورٍ أكبرَ منه!!
خرجَ وهو منزعجٌ من حكايةِ (أكبر منه)
ـ وهل قضيةُ (الكاسيت وطلاء الأظافر) أكبر مني؟!!
طرَق بابَ بيتِ صديقِه (ميثاق)، وما إن خرجَ وسأله عن حالِه حتى أخبرَه بالقصةِ كاملةً، فدخلَ مسرعاً إلى بيتِه، وأتى له بـ(طلاء أظافر أحمر)، وقال له:
اذهبْ وصلِّحِ الموقفَ!!
دخلَ فرحاً وهو يهتفُ:
أمي.. أمي.. هذا طلاءُ الأظافر!!
لا يدري لماذا خمشتْ أمُّه خدَّها هكذا، وقالتْ:
“عزا العزاني، رحنا ابلوة!!”
وبقيتْ توبخه، وأمطرتْه وابلاً من الأسئلةِ:
“مين جبته؟ شگتلهم؟ شحچيت لهم؟ خوما جبت طاري ابوك؟”
ومن شدةِ خوفِه وارتباكِه، قال لها كاذباً:
إنه أخبرَهم بأن أختَه هي من طلبتْه!!

حين عادَ والدُه عصراً، لم تصمتْ أمُّه، ولم تُخفِ عليه الأمرَ، ولم يسمعْ سوى كلماتِ والدِه:
(بعده طفل، هسة يكبر ويفتهم)
ثم سمعَ وقعَ الأقدامِ على السلمِ، ولم يكفَّ عن فضولِه، فراح يسترقُ السمعَ، فسمعَ والدَه يقولُ:
(هنا محد يندلهن ابد)
فعرفَ أنه أخفى الصندوقين فوق.
ـــــــــ
الحمدُ لله، انتهى هذا اليومُ العجيبُ، وإن كان القلقُ يسيطرُ على والديهِ، تناولوا العشاءَ، وكان أبوه يوصيهم أن يكونوا بلا ألسنةٍ!! يوصيهم بالصمتِ كي يسلموا!!
لم يفهمْ كثيراً ما يقصده، لكنه كان يتذكرُ كلماتِه جيدا!!
وجاءَ الليلُ، وعمَّ السكونُ بيتَهم، ومثلَ كلِّ يومٍ، أيقظهم والدُه فجراً للصلاةِ!! ومثلَ كلِّ يومٍ، كانوا يؤدونها بعينٍ واحدةٍ، فالنعاسُ يمضغُ الأخرى!!
وبعد الصلاةِ، بدأتْ أمُّه (تعجن)، وكان أبوه يريدُ النومَ قليلاً قبل أن يذهبَ إلى عملِه!!
وضعَ رجلَه على عتبةِ السلمِ الأولى، ولم يستطعْ أن يرفعَ الثانيةَ!!
عصفٌ مباغتٌ في منزلِهم، ضابطانِ و!! قلبوا البيتَ كلَّه!!
لحظاتٌ حتى شاهَدهم يجرون أباه من ياقتِه، ويحملون الصندوقين، ومعهما طلاءَ الأظافرِ الأحمر!
بعدها قال:
لقد كبرتُ كثيراً يا أبي!!
ـــــــــــــــــــــــــــ
لمتابعة قناة د. أمل الأسدي على التيليجرام
https://t.me/Ab_Wahab