القصة السادسة.. الخباز.. من مجموعة المنبر..!
جليل هاشم البكاء ||

في كل ليلة عاشورائية، قبل أن تفتح الحسينية أبوابها، كان هناك رجل واحد يبدأ يومه قبل الجميع.
بل قبل الفجر نفسه.
اسمه أبو نزار.
خباز بسيط في حيّ قديم، لا يعرفه الكثير خارج منطقته، لكنه كان يعرف طريقه جيداً إلى كل مجلس يُقام فيه ذكر الحسين.
كان يقول دائماً:
الخبز الذي يُؤكل في بيوت العزاء ليس خبزاً فقط… بل دعاء.
لم يكن يملك متجراً كبيراً.
ولا فرنًا حديثاً.
كان يملك تنوراً طينياً قديماً ورثه عن أبيه، ويدين اعتادتا النار منذ الصغر.
لكن ما لم يكن الناس يعرفونه أن هذا التنور كان يطعم مئات الأشخاص كل عام دون أن يُطلب منه ذلك.
منذ أكثر من ثلاثين عاماً، بدأ الأمر صدفة.
في أول مجلس حضره في شبابه، رأى الناس يجلسون لساعات طويلة دون طعام.
ففي نهاية الليلة، عاد إلى بيته، وعجن عجيناً بسيطاً، وخبز عشرات الأرغفة، وأحضرها بنفسه إلى الحسينية.
لم يشكره أحد في البداية.
ولم يطلب هو شكراً.
ثم في الليلة التالية فعل الشيء نفسه.
ثم في السنة التالية أصبح الأمر عادة.
ثم صار نذراً لا يتخلى عنه مهما كانت الظروف.
كان يستيقظ قبل الفجر.
يعجن الطحين بالماء والملح فقط.
لا زيوت.
ولا إضافات.
ثم يشعل التنور بيديه حتى تحمر جدرانه من الحرارة.
وفي أثناء الخَبز، كان يقرأ بصوت خافت مقتل كربلاء.
كأنه يخبز مع كل رغيف دعاء جديداً.
زوجته كانت تساعده بصمت.
وأبناؤه كانوا يحملون الخبز إلى المجالس وهم صغار ثم شباب ثم رجال.
ومع مرور السنوات، صار الخبز يُعرف باسمهم في الحي.
.. خبز المجلس …
لكن أبو نزار لم يكن يحب هذا الاسم.
كان يقول:
هذا ليس خبزي … هذا رزق الحسين.
في إحدى السنوات، حدثت أزمة قاسية في البلد.
ارتفعت أسعار الطحين بشكل كبير.
وأصبح الحصول عليه صعباً.
وتوقف كثير من الأفران عن العمل.
وفي الحي بدأ الناس يقلقون.
قال بعضهم:
هذه السنة لن يكون هناك خبز للمجلس.
لكن أبو نزار لم يتكلم كثيراً.
ذهب إلى مخزنه الصغير.
وباع قطعة أرض كان قد ادخرها لسنوات.
وقال لزوجته:
الأرض يمكن أن تعود … لكن المجلس إذا انقطع لا يعود بسهولة.
وفي تلك الليلة عاد بالطحين.
وكأن شيئاً لم يتغير.
استمر الخبز.
واستمر العطاء.
وفي ليلة من ليالي عاشوراء، كان المجلس ممتلئاً بشكل غير مسبوق.
الناس جاؤوا من أحياء بعيدة.
حتى من قرى مجاورة.
وانتهى الطعام سريعاً.
لكن أبو نزار لم يتوقف.
ظل يخبز حتى آخر لحظة.
حتى احترقت يداه من حرارة التنور.
لم يشتكِ.
لم يتوقف.
وعندما سأله ابنه لماذا يفعل كل هذا، أجابه بهدوء:
يا بني … بعض الناس يتركون أثراً بخطبهم … ونحن نترك أثراً بخبزنا.
في إحدى الليالي، دخل المجلس رجل ثري معروف ببذخه.
جلس في الصفوف الخلفية.
وتناول قطعة خبز من توزيع المجلس.
استغرب الطعم.
لم يكن خبزاً عادياً.
كان بسيطاً جداً … لكنه مختلف.
بعد انتهاء المجلس، سأل عن الخباز.
فأخبروه عن أبي نزار.
ضحك في البداية.
ثم أراد مقابلته.
وعندما رآه، قال له:
كم تأخذ مقابل هذا العمل كل ليلة؟
ابتسم أبو نزار وقال:
لا آخذ شيئاً.
قال الرجل:
مستحيل … هذا جهد كبير.
أجاب أبو نزار:
هذا ليس جهداً … هذا خدمة.
سكت الرجل.
ثم غادر.
لكن شيئاً بقي في قلبه.
وفي العام التالي عاد.
لكن هذه المرة لم يجلس متفرجاً.
بل جاء يحمل شاحنة طحين كاملة.
وقال:
من اليوم هذا التنور لن ينطفئ أبداً.
رفض أبو نزار في البداية.
لكن الرجل أصر.
وقال:
تعلمت أن هناك أعمالاً لا تُشترى … بل تُشارك.
ومنذ تلك السنة أصبح التنور لا يبرد أبداً في موسم عاشوراء.
وفي إحدى الليالي، وبينما كان أبو نزار يخبز، شعر بتعب شديد.
جلس قرب التنور لأول مرة منذ سنوات طويلة.
وقال لابنه:
أشعر أن يديّ لم تعودا قادرتين على مواصلة الطريق.
لكن لا تتركوا التنور يبرد.
وفي ليلة عاشوراء الأخيرة من حياته، كان المجلس مزدحماً كعادته.
لكن أبو نزار لم يستطع الحضور.
كان في بيته مريضاً.
ومع ذلك، كان يسمع صوت الخطيب من بعيد.
ويبتسم.
وفي الصباح التالي، وجدوه جالساً قرب التنور.
وقد فارق الحياة بهدوء.
كأنه نام بعد خدمة طويلة.
في تلك الليلة، لم يُطفأ التنور.
بل استمر أبناؤه في الخَبز.
وكأن يديه ما زالتا تعملان معهم.
وبعد سنوات، أصبح اسمه يُذكر في المجالس.
ليس كخباز فقط.
بل كرجل فهم أن المنبر لا يقوم بالخطباء وحدهم.
بل يقوم أيضاً بالخبز الذي يصل إلى الجالسين.
وبالقلوب التي تخدم بصمت.
وعندما سُئل أحد أبنائه عن سر استمرار عمله، قال:
أبي كان يقول دائماً: إذا أردت أن تخدم المنبر … فكن جزءاً من حاجات الناس حوله.
وهكذا بقي الخبز دافئاً.
وبقيت النار مشتعلة.
وبقي التنور شاهداً على أن العطاء الصامت قد يكون أبلغ من ألف خطاب.
ولهذا كان المنبر وسيبقى ليس للكلمات فقط.
بل لكل ما فيه خير وبركة، وللأرغفة أيضاً.




