السبت - 03 اكتوبر 2026
منذ 4 أشهر
السبت - 03 اكتوبر 2026

علي عبد الصاحب الجبوري ||

 

‏قصة قصيرة لـ :علي عبد الصاحب الجبوري
‏كان في أطراف مدينة بغداد رجل غريب الأطوار يدعى “عبود” .لم يكن شيخا ولا معلما ولا شرطيا ،لكنه نصب نفسه حارسا لأزقة الحي.
‏

كان عبود انفعاليا ،وترى في انفعالاته أحيانا أنه مأزوم،فما كان يرى الأطفال يركضون خلف كرة من قماش أو جلد حتى يخرج صارخا:

‏اتركوا هذه اللعبة الفارغة ،إنكم ستكسرون النوافذ وتثيرون الضجيج !فيهرب الأطفال من أمامه ،وتبقى الكرة وحيدة على التراب كأنها ارتكبت جرما عظيما.

‏مضت السنون،وعبود على هذا الحال ؛حتى جاء يوم سقطت فيه الكرة عند قدمي عبود.رفعها غاضبا كعادته ليخوفهم؛لكنه لمح وجوه الأطفال وهي تنظر إليه بحزن.تردد هذه المرة قليلا عن تقطيعها أو طردهم من الشارع ،وقام بركلها ركلة خفيفة باتجاههم ،فإذا بالأطفال يفرحون ،وتأخذهم ضحكة المندهش بفعل ما كان ليخطر على بالهم يوما.

‏تأمل عبود بردة فعل الأطفال ،وأخذت عيناه تتنقل خلف الكرة التي استهوته كثيرا .
‏لم يتجرأ عبود على النزول لاعبا بين الأطفال ،فقام بشراء “بلي ستيشن”ليخوض مباراة فردية مع الجهاز . عاش عبود صخب الجماهير التي تهيج مشاعره صرخاتهم المدوية مع كل هجمة يقدم بها على هدف الخصم .

‏الأجواء كانت شبيهة جدا بأجواء ملعب حقيقي ،عاش عبود خافيا تعلقه بكرة القدم لسنين طويلة .

‏حتى افتقد الأطفال زجره لهم،ونهيه الذي حرمهم لسنين لذة لعب كرة القدم التي برر لهم رفضه لها بقوله : أنها خالية الأهداف .

‏في أحد الأيام تفاجأ الأطفال ب “عبود” وهو يقف على حافة الملعب الترابي يراقب لعبهم،وما أن سجل أحدهم هدفا حتى رأوه يصفق لهم ،ويرفع بحماسة مفرطة صوته الذي كان به يمنعهم عن اللعب.هو اليوم يحثهم على اللعب بشكل أفضل.

‏لقد ألف الأطفال “عبود”وهو يملأ أزقة المدينة صخبا ،وصار يشتري بأمواله كرات للفريق وملابس رياضية ،ويعمل على تهيئة مستلزمات الملعب ؛بل إنه بنى لهم في المدينة ملعبا حتى اشتهر بينهم باسم “الطوبچي” بدلا من “عبود”

‏لقد عرف أهل بغداد الطوبچي لفظ يدل على صانع الطوب “الطوب احسن لو مگواري” وهو المدفع الذي استولى عليه الثوار في ثورة العشرين؛لكنه مع عبود الظاهرة العجيبة أطلقوا هذا الاسم على مدينتهم لأنه كان عنوانا كبيرا للروح الرياضية ،والأخلاق الرياضية ،والعقيدة الرياضية!! .

‏ومع تعاقب الأجيال نسي الناس عبود وبقي الطوبچي اسما لمدينتهم.

‏كان أهل الحي يروون الحكاية لأبنائهم ؛ليقولوا لهم أن المواقف ليست حجارة ثابتة ؛فكم من معارض صار مؤيدا،وكم من ناقد صار متحمسا لما كان يهاجمه بالأمس.

‏وعندما سمع بعض الغرباء أن اسم المنطقة “الطوبچي” ظنوا أن أهلها يصنعون المدافع والبارود والصواريخ ؛إلا إن بعض الشيوخ من كبار السن أخبروهم قائلين :إن طوبچينا هذا لم يعد العدة للحرب ،وقصف عدوه ؛بل إنه رجل أعد العدة لادخال السكون والسلم في منطقتنا بأخذ الأولاد ليكونوا قدوة بالرياضة بايجاد فريق منسجم متكامل بدنيا ونفسيا من اجل بلوغ الهدف !.

‏اليوم صار الناس يطلقون الأهازيج لمن يركل الكرة ويسجل هدفا ،وكأنه فاتح حصون المشركين ،ويرون في صخب الملاعب أجمل من صخب المعارك .

‏فالطوبچي الحقيقي كما يعبر أحدهم :هو من يستبدل المدفع بكرة يضعها في شباك الخصم ،فالهدف يسعد الناس بينما القذيفة ترعبهم.

‏شكرا عبود على ما أضفته للرياضة من جمال وابداع .