الاثنين - 22 يونيو 2026

لبنان؛ الساحة التي قلبت المعادلة الإقليمية لصالح ايران..!

منذ أسبوع واحد
الاثنين - 22 يونيو 2026

✍️ الدكتور ماجد الشويلي ||
2026/6/14

 

 

 

لعل أبرز المكاسب الستراتيجية التي حققتها إيران خلال العقود الأخيرة تمثلت بقدرتها على تحويل الساحة اللبنانية إلى نقطة تقاطع حساسة بين المصالح الستراتيجية الأمريكية من جهة، والإسرائيلية من جهة أخرى. فبدل أن تكون إسرائيل أداة متقدمة لتنفيذ الرؤية الأمريكية في المنطقة كما كان في السابق، باتت اليوم تمثل عبئًا سياسيًا وأمنيًا على واشنطن، خصوصًا عندما تتعارض الحسابات الإسرائيلية مع أولويات الولايات المتحدة ومصالحها الأوسع في المنطقة والعالم حتى.

في المقابل، لم تتمكن الولايات المتحدة من تحقيق الهدف المقابل، أي تحويل حزب الله إلى عبء داخلي أو إقليمي على إيران. بل إن المشهد تطور في الاتجاه المعاكس، حيث أصبحت طهران تنظر إلى أي تسوية أو تفاهم محتمل مع واشنطن من خلال بوابة أساسية تتمثل بوقف الحرب على لبنان وضمان استقراره، باعتبار ذلك جزءًا لا يتجزأ من أي اتفاق إقليمي أو دولي مستقبلي.

وفي ظل هذه المعادلة، يبدو أن النتنياهو بات خارج حدود الحسابات الستراتيجية التقليدية التي حكمت العلاقة الأمريكية الإسرائيلية لعقود طويلة. فالمؤشرات الحالية لا توحي بأن تل أبيب ما زالت تحتل الموقع ذاته في سلم الأولويات الأمريكية، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتراكمة التي تواجهها الولايات المتحدة، فضلاً عن التحديات التي تطال الإدارة الأمريكية نفسها.

وكأن واشنطن تجد نفسها اليوم أمام معادلة صعبة ؛ هل الأولوية لمشروع “إسرائيل الكبرى”، أم للحفاظ على مكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى وقطب دولي قادر على إدارة التوازنات العالمية؟!
فكلما تعمقت التناقضات بين المصالح الأمريكية المباشرة والطموحات الإسرائيلية الإقليمية، ازدادت صعوبة التوفيق بين المشروعين.

من هنا يمكن فهم القلق الإسرائيلي المتزايد تجاه أي مذكرة تفاهم أو اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن. فإسرائيل تنظر إلى رفع القيود عن الأموال الإيرانية المجمدة باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، انطلاقًا من اعتقادها بأن جزءًا من هذه الموارد قد تستخدم لإعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله في لبنان، ولدعم حلفاء إيران في اليمن والعراق، واستعادة شبكات النفوذ الإقليمي التي تعرضت لضغوط كبيرة خلال السنوات الأخيرة.

ولا يتوقف القلق الإسرائيلي عند هذا الحد، بل يمتد إلى احتمالية تمكن إيران من استعادة جزء من نفوذها داخل سوريا وإعادة تشكيل التوازنات هناك بصورة لا تتوافق مع الرؤية الإسرائيلية…
كما تنظر تل أبيب بقلق بالغ إلى أي اتفاق يسمح لطهران بالاحتفاظ بقدراتها الصاروخية أو بجزء من بنيتها النووية، بما في ذلك استمرار عمليات التخصيب أو الاحتفاظ بمخزون من اليورانيوم المخصب ضمن ترتيبات دولية معينة.

كذلك تخشى إسرائيل من أي اعتراف دولي أوسع بالدور الإيراني في أمن الملاحة بمضيق هرمز علاوة على مالديها من نفوذ في مضيق باب المندب ، يعد تحولاً جيوسياسيًا يمنح طهران موقعًا أكثر تأثيرًا في معادلات الطاقة والتجارة العالمية. ومن وجهة النظر الإسرائيلية، فإن مثل هذه التحولات قد تؤدي إلى تضييق هامش المناورة الاستراتيجية أمامها و يطحنها “كحبة قمح بين فكي رحى “ويقوض رهاناتها التي بنت عليها مشاريعها الإقليمية لعقود ، وينهي لديها حلم اسرائيل الكبرى بشكل نهائي.

ويضاف إلى ذلك هاجس آخر لا يقل أهمية، عما تقدم يتمثل في تنامي مسارات التقارب والتطبيع بين إيران وعدد من الدول العربية، وهو تطور تنظر إليه إسرائيل بوصفه تقويضًا لستراتيجية عزل إيران إقليميًا. ولهذا تبدو تل أبيب شديدة الحساسية تجاه أي تحول يمنح طهران شرعية سياسية أو اقتصادية أو أمنية إضافية.

في ضوء هذه المعطيات، تبدو إسرائيل اليوم في موقع الدفاع أكثر من أي وقت مضى، إذ تواصل محاولات التأثير على مسار المفاوضات والتحولات الإقليمية، لكنها تواجه بيئة دولية وإقليمية أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في السابق. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: إذا كانت هذه التحولات قد برزت في ظل إدارة جمهورية، فكيف يمكن أن تكون الصورة لو عادت إدارة ديمقراطية أكثر ميلاً إلى الدبلوماسية والتسويات مع إيران؟
إن الإجابة عن هذا السؤال قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط بأكمله
لصالح ايران المنتصرة