القصة الثالثة.. جاسوس ولكن.. من مجموعة المنبر..!
جليل هاشم البكاء ||

في الليالي العاشورائية كانت الحسينية تمتلئ قبل ساعات من بدء المجلس.
الرجال يجلسون متقاربين كأنهم عائلة واحدة.
الأطفال يتسللون بين الصفوف.
والخطيب يتهيأ للصعود إلى المنبر.
أما هو فكان يجلس دائماً في المكان نفسه.
الصف الثالث.
إلى اليمين قليلاً.
هادئاً.
قليل الكلام.
كثير الابتسام.
لا يثير الشبهات أبداً.
كان اسمه فاضل.
لكن ذلك لم يكن اسمه الحقيقي.
على الأقل ليس الاسم الذي تعرفه أجهزة الأمن.
ففي الملفات السرية كان يحمل رقماً لا اسماً.
وكانت مهمته واضحة.
التجسس على المجالس الحسينية.
كتابة أسماء الخطباء.
تسجيل أسماء الرواديد.
مراقبة الحضور.
رفع التقارير.
وتحديد الأشخاص الذين ينبغي اعتقالهم لاحقاً.
كان يعمل مخبراً منذ سنوات.
وفي كل مرة يدخل مجلساً كان يشعر بأنه يؤدي واجباً وظيفياً لا أكثر.
لم يكن يكره أحداً.
ولم يكن يحب أحداً.
كان يعتبر الناس مجرد أسماء في أوراق رسمية.
وكان يعتقد أن الضمير رفاهية لا يملكها أمثاله.
كل ليلة يعود إلى بيته.
يفتح دفتره الصغير.
ويكتب التفاصيل.
اسم الخطيب.
عنوان الخطبة.
عدد الحضور.
أسماء النشطين.
ثم يسلم التقرير صباحاً.
ويقبض مكافأته.
انتهى الأمر.
هكذا كان يظن.
لكن بعض الأمور تبدأ صغيرة ثم تكبر دون أن نشعر.
في إحدى الليالي لاحظ طفلاً يجلس في الصف الأول.
لم يتجاوز العاشرة.
كان يحضر وحده كل ليلة.
يحمل دفتراً صغيراً.
ويسجل كلمات الخطيب.
استغرب فاضل الأمر.
اقترب منه بعد المجلس.
وسأله:
لماذا تكتب كل هذا؟
ابتسم الطفل وقال:
أريد أن أصبح خطيباً عندما أكبر.
هز فاضل رأسه ومضى.
لكنه ظل يفكر بكلامه.
في الليلة التالية شاهده من جديد.
ثم في الليلة التي بعدها.
وفي كل مرة كان الطفل يزداد تعلقاً بالمنبر.
بدأ يشعر بفضول غريب.
فضول لم يعرفه من قبل.
ومع مرور الأيام صار يستمع إلى الخطيب بدلاً من مراقبة الحاضرين.
كان الخطيب يتحدث عن الظلم.
عن الخيانة.
عن الرجال الذين باعوا ضمائرهم مقابل المال.
وكانت الكلمات تمر فوق رؤوس الجميع.
إلا رأس فاضل.
كانت تستقر هناك.
وتبقى.
ذات ليلة عاد إلى منزله متعباً.
فوجد زوجته تبكي.
كان ابنه الصغير يعاني من مرض خطير.
والأطباء عاجزون عن إنقاذه.
جلس قرب سرير الطفل حتى الصباح.
كان الصغير يحترق بالحمى.
ويقبض على يد أبيه بقوة.
وبعد أيام قليلة رحل.
رحل بهدوء.
كأن ملاكاً أخذه أثناء النوم.
انهار فاضل.
لأول مرة في حياته شعر بالعجز.
ولأول مرة اكتشف أن المال لا يستطيع شراء كل شيء.
مرت أسابيع.
لكنه لم يتجاوز حزنه.
وفي أول مجلس حضره بعد وفاة ابنه، صعد الخطيب إلى المنبر وبدأ يتحدث عن الطفل الرضيع في كربلاء.
عن العطش.
عن البراءة.
عن الأب الذي حمل طفله بين يديه وهو يرى الموت يقترب منه.
فجأة رأى فاضل وجه ابنه.
سمع صوته.
شعر بحرارة يده الصغيرة.
وانهمرت دموعه دون أن يشعر.
حاول إخفاءها.
لكنه فشل.
ومنذ تلك الليلة بدأ شيء يتغير داخله.
صار ينظر إلى الحاضرين بطريقة مختلفة.
هذا الرجل ليس اسماً في تقرير.
إنه أب.
وذاك الشاب ليس رقماً أمنياً.
إنه ابن لأم تنتظره.
وهذا الخطيب قد يكون أباً لأطفال يخافون عليه.
وبدأ الضمير يستيقظ.
ببطء.
لكن بقوة.
وفي أحد الأيام استدعاه الضابط المسؤول.
أعطاه قائمة طويلة.
وقال بلهجة حازمة:
نريد معلومات دقيقة عن هؤلاء.
اعتقالات كبيرة ستتم قريباً.
أخذ القائمة.
وعاد إلى بيته.
فتحها.
فوجد عشرات الأسماء.
بينها الخطيب.
والرادود.
والطفل الذي يحلم أن يصبح خطيباً.
تجمد مكانه.
شعر أن الغرفة تضيق عليه.
ظل ينظر إلى الورقة ساعات طويلة.
ثم اتخذ قراراً لم يكن يتصور أنه سيتخذه يوماً.
أشعل النار في التقرير.
وراح يشاهد الأوراق وهي تتحول إلى رماد.
كان يعلم ماذا يعني ذلك.
يعني نهايته.
لكنه أكمل.
في الأيام التالية بدأ يحذر الناس سراً.
ينقل الرسائل.
ويخفي الوثائق.
ويحرق الملفات.
ويمنع وصول المعلومات إلى الأجهزة الأمنية.
حتى نجح في إنقاذ عدد كبير من الأشخاص.
لكن الأسرار لا تبقى مخفية طويلاً.
اكتشف الضابط ما حدث.
وبدأت المطاردة.
صار فاضل مطلوباً للنظام الذي خدمه سنوات طويلة.
هرب من مدينة إلى أخرى.
وتنقل بين البيوت الآمنة.
وكان يعلم أن النهاية تقترب.
وفي ليلة شتائية باردة حاصرت قوات الأمن المنزل الذي يختبئ فيه.
كان بإمكانه الهرب من الباب الخلفي.
لكن في البيت كانت توجد عائلة كاملة.
لو هرب لاقتحم الجنود المنزل.
ولربما قتلوا الجميع.
لذلك بقي.
خرج وحده.
ورفع يديه.
واستسلم.
اختفى بعدها.
كما اختفى آلاف غيره.
لم يعرف أحد أين دفن.
ولا كيف مات.
لكن قصته لم تنته.
بعد سنوات طويلة سقط النظام.
وفتحت بعض الملفات السرية.
وهناك اكتشف الناس الحقيقة.
اكتشفوا أن عشرات الأسماء التي نجت من الاعتقال كانت بسبب رجل واحد.
رجل بدأ مخبراً.
وانتهى شهيد ضمير.
وفي إحدى الليالي العاشورائية وقف ذلك الطفل الذي كان يكتب ملاحظاته في الصف الأول.
لكنه لم يعد طفلاً.
أصبح خطيباً معروفاً.
وصعد إلى المنبر.
وروى قصة الرجل الذي أنقذ الكثيرين.
دون أن يذكر اسمه في البداية.
وكان الحاضرون يبكون.
وعندما كشف هويته ساد الصمت.
فالجميع كانوا يعرفونه سابقاً باعتباره جاسوساً.
لكنهم عرفوه الآن بصورة أخرى.
صورة رجل انتصر على نفسه.
وعلى خوفه.
وعلى ماضيه.
وختم الخطيب كلامه قائلاً:
قد يولد الإنسان في طريق الخطأ، لكنه ليس مجبراً أن يموت فيه.
وبينما كانت الدموع تملأ العيون، شعر الحاضرون أن المنبر لم يكن مكاناً لرواية المآسي فقط.
بل مكاناً لصناعة التوبة أيضاً.
فحتى في أكثر القلوب ظلمة يمكن أن يولد نور.
ولهذا سُمّي المنير.
لأنه يضيء الطريق حتى لأولئك الذين أضاعوه.




