الخميس - 18 يونيو 2026

لماذا ستتنصل أمريكا أو تتراجع عن تفاهمات وقف اطلاق النار مع الجمهورية الاسلامية؟!

منذ 5 أيام
الخميس - 18 يونيو 2026

الكاتب والباحث والاكاديمي صلاح الاركوازي ||

 

 

 

لا أمان لمن لاأيمان له ولا عهد لمن لا وفاء له ، هذا ما ينطبق على أمريكا والكيان الغاصب والذي اقولها جازما بانهما سوف يتنصلون عن تفاهمات واتفاقية وقف أطلاق النار عاجلاً أم آجلا، نعم لان الصفعات المؤلمة والخسائر الكبيرة وكسر هيبة أقوى جيش وتدمير احدث وأغلى الرادارت والطائرات والتدمير الكامل للعديد من القواعد كلها تؤرق الامريكان والصهاينة ولا يمكنهم نسيانها، ففي عالم السياسة الواقعية، لا يلتزم القوي بالعهد إلا إذا كانت تكلفة النقض أكبر بكثير من عوائد الغدر.
وتبقى الضمانة الوحيدة لعدم تنصل أمريكا وإسرائيل من وقف إطلاق النار ليست النصوص الدبلوماسية الرنانة، بل هي امتلاك إيران وحلفائها لأدوات ردع استراتيجية حاسمة (سواء على مستوى تعطيل الملاحة الدولية، أو القدرة النارية الكثيفة القادرة على شل العمق الإسرائيلي والقواعد الأمريكية). عندما يدرك صانع القرار في واشنطن وتل أبيب أن العودة إلى الحرب تعني دفع أثمان باهظة وغير قابلة للاحتمال اقتصادياً وعسكرياً، يصبح الالتزام بالهدنة خياراً إجبارياً وليس فضيلة أخلاقية.

الحديث عن احتمالية تنصل أو تراجع الولايات المتحدة عن تفاهمات وقف إطلاق النار المؤقتة مع إيران (والتي بدأت في أبريل وتجري محاولات لتمديدها عبر مذكرة تفاهم في يونيو) يستند إلى جملة من التعقيدات البنيوية والخلافات الجوهرية بين الطرفين.
التحليلات السياسية والاستراتيجية تشير إلى عدة أسباب وعوامل قد تدفع واشنطن إلى التحلل من هذه الالتزامات أو إفشال المفاوضات:
1 – الخلاف الجذري حول ملف التخصيب والبرنامج النووي
تعتبر الإدارة الأمريكية (ولا سيما إدارة ترامب الحالية) أن أي اتفاق دائم يجب أن يضمن التفكيك الكامل للبنية التحتية النووية الإيرانية وإخراج المواد المخصبة خارج البلاد. في المقابل، تتمسك طهران بـ “حق التخصيب” كخط أحمر، وظهر هذا التباين جلياً في اختلاف النسخ الفارسية والإنجليزية للمقترحات؛ فإذا شعرت واشنطن أن المفاوضات اللاحقة (التي تمتد لـ 60 يوماً) لن تحقق تفكيكاً حقيقياً للملف النووي، فإنها قد تتراجع عن التفاهمات وتعود لسياسة الضغط الأقصى.
2 – غياب الضمانات بشأن حلفاء إيران (محور المقاومة)
تشترط الولايات المتحدة، بضغط مباشر من حلفائها الإقليميين ولا سيما إسرائيل، أن يشمل وقف إطلاق النار إنهاء الدعم الإيراني للفصائل المسلحة في المنطقة (في لبنان، اليمن، والعراق). من منظور أمريكي، إذا استمرت جبهات الإسناد أو الفصائل في العمل واستهداف المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية، فإن هذا يعد خرقاً لروح الاتفاق، مما يعطي واشنطن المبرر للتنصل منه باعتباره “اتفاقاً منقوصاً” لا يضمن الاستقرار الشامل.
3 – الضغوط السياسية الداخلية في واشنطن
تواجه إدارة ترامب ضغوطاً من صقور الحزب الجمهوري وبعض القيادات العسكرية الذين يرون في الاتفاق الحالي “تنازلاً مجانياً” يمنح إيران فرصة لالتقاط الأنفاس، وفتح مضيق هرمز، وتسييل مليارات الدولارات من الأصول المجمدة (نحو 24 مليار دولار) دون الحصول على تنازلات استراتيجية مسبقة. هذا الضغط الداخلي قد يدفع الإدارة إلى التراجع للحفاظ على صورتها الحازمة.
4 – اشتراطات “الخطوط الحمراء” الإسرائيلية
على الرغم من ترحيب واشنطن بمساعي التهدئة، إلا أن إسرائيل أعلنت بوضوح أنها ليست طرفاً ملزماً بمذكرة التفاهم، وتتمسك بحرية الحركة العسكرية في لبنان وسوريا لمنع أي تهديد. إذا قامت إسرائيل بتصعيد عسكري واسع واضطرت إيران للرد، فإن الولايات المتحدة ستجد نفسها مدفوعة للوقوف بجانب حليفتها، مما يعني انهيار تفاهمات وقف إطلاق النار تلقائياً.
5 – ضبابية وبنية الاتفاق (تأجيل الملفات المعقدة)
الاتفاق الحالي مبني على فكرة “مذكرة تفاهم” لتمديد الهدنة وفتح الممرات المائية مقابل تخفيف تدريجي للحصار، مع ترحيل القضايا الشائكة (العقوبات، الضمانات الأمنية، التخصيب) إلى مفاوضات لاحقة. هذه البنية الهشة تجعل الاتفاق عرضة للانهيار عند أول جولة تفاوض تفصيلية، حيث يسهل على الطرفين اتهام الآخر بالتعنت وتنصل واشنطن نتيجة عدم تلبية شروطها الصارمة.
6 – ملف الانتهاكات المتبادلة
تتبادل واشنطن وطهران الاتهامات بخرق الهدنة منذ إعلانها في أبريل؛ حيث وصفها الجانب الأمريكي في بعض التصريحات بأنها “أكثر هدنة تعرضت للانتهاك”. هذا التشكيك المستمر في النوايا يبقي خيار العودة إلى العمليات العسكرية وحملات القصف الجوي أو الحصار البحري مطروحاً كبديل جاهز لدى صناع القرار في البيت الأبيض.
قراءة في حسابات القوة: لماذا يظل خطر التنصل الأمريكي-الإسرائيلي قائماً في أي اتفاق مع إيران؟
مع التطورات الجارية والحديث عن تفاهمات ومسودات اتفاقيات لوقف إطلاق النار والتهدئة بين الولايات المتحدة وإيران (والتي تشمل فتح مضيق هرمز وتهدئة الجبهات الإقليمية بما فيها لبنان)، يبرز السؤال الجوهري حول مدى ديمومة هذا الالتزام.
تاريخياً وعملياتياً، لا ينبع التنصل الأمريكي أو الإسرائيلي من فكرة “النقض العبثي”، بل هو نتاج حسابات استراتيجية معقدة وتقاطع مصالح يرى في الهدنة مجرد وسيلة مؤقتة وليس غاية نهائية. ويمكن تلخيص الأسباب العميقة التي قد تدفع واشنطن وتل أبيب للتنصل من أي اتفاق مع طهران في النقاط التالية:
1 – التناقض الجذري في “تعريف الهدنة” وتفكيك الساحات
تتعامل الولايات المتحدة وإسرائيل مع الاتفاقيات من منظور “تفكيك الجبهات”، بينما تتحرك إيران وفق منطق “وحدة الساحات”، وهذا التناقض يحمل بذور الفشل لأي اتفاق:
فصل الملفات: تسعى واشنطن وتل أبيب لتأمين مسارات التجارة البحرية (إعادة فتح مضيق هرمز) ووقف الصواريخ الباليستية كأولوية قصوى، مع الاحتفاظ بـ “حق” ضرب حلفاء إيران في المنطقة (مثل حزب الله في لبنان أو الفصائل في الساحات الأخرى) بذريعة أنها ملفات منفصلة.
استراتيجية الاستفراد: إذا رأت إسرائيل أن الاتفاق يمنحها فرصة لتحييد الدعم الإيراني المباشر لبعض الجبهات، فقد تستغل هذا التحييد للاستفراد بساحة معينة وتوجيه ضربة قاصمة لها، وهو ما تعتبره طهران نقضاً غير مباشر للاتفاق الإقليمي الشامل، مما يعيد دائرة التصعيد.
2 – معضلة “البرنامج النووي” والخطوط الحمراء الإسرائيلية
يعد الملف النووي الإيراني نقطة تفجير دائمة لأي تفاهم سياسي:
شروط التفكيك مقابل تخفيف العقوبات: تقوم المقاربة الأمريكية على منح تهدئة مؤقتة مقابل التزامات صارمة لتفكيك أو تجميد منشآت التخصيب الإيرانية. إذا لم تلمس واشنطن تراجعاً إيرانياً جوهرياً وملموساً في هذا الملف خلال السقف الزمني المحدد (مثل فترة الـ 60 يوماً للمفاوضات المعمقة)، فإنها ستعتبر أن طهران تستغل الهدنة للمناورة وشراء الوقت، مما يدفعها لإعادة تفعيل الخيار العسكري أو فرض “الحصار البحري والاقتصادي الكامل”.
الفيتو الأمني الإسرائيلي: حتى لو رغبت الإدارة الأمريكية في تمرير اتفاق مرحلي لأسباب اقتصادية داخليّة (مثل خفض أسعار النفط العالمية)، فإن إسرائيل ترى في أي اتفاق لا يستأصل القدرات النووية الإيرانية كلياً “تهديداً وجودياً”. بالتالي، تحتفظ تل أبيب دائماً بـ “حق الحركة المنفردة” لتنفيذ عمليات اغتيال علمية أو ضربات سيبرانية تخريبية داخل إيران، مما ينسف الاتفاق من أساسه.
3 – “الحرب الإدراكية” وصناعة الذرائع
في العقيدة العسكرية الحديثة، لا يتم خرق الاتفاقيات علناً بل يُعاد تعريف “الخرق”:
تبرع الماكينة الاستخباراتية والإعلامية الأمريكية-الإسرائيلية في توظيف الحرب الإدراكية (Cognitive Warfare) من خلال تسريب تقارير أو صور أقمار صناعية تزعم قيام إيران بنقل تكنولوجيا صاروخية، أو خرق بروتوكولات التفتيش، أو تمويل جيوب أمنية.
هذه التبريرات تُصاغ بعناية لتهيئة الرأي العام الدولي وإعطاء شرعية قانونية وأخلاقية لأي ضربة استباقية غادرة، بحيث تظهر واشنطن أو تل أبيب في مظهر “المدافع” الذي اضطر لإنهاء الهدنة بسبب سلوك الطرف الآخر.
4 – الضغوط الحزبية وتحولات السياسة الداخلية الأمريكية
تتأثر الاتفاقيات الدولية بالداخل الأمريكي بشكل حاد:
تُصنف الاتفاقيات مع إيران في أروقة الكونغرس ومراكز السياسة الأمريكية كـ “تنازلات خطيرة”.
يواجه صانع القرار الأمريكي (سواء كان في الإدارة الحالية أو القادمة) ضغوطاً هائلة من اللوبيات الداعمة لإسرائيل والمحافظين الذين يرفضون أي تخفيف حقيقي للعقوبات أو إفراج عن الأصول المجمدة. هذا الضغط الداخلي يجعل الإدارة الأمريكية تميل إلى التملص من التزاماتها الاقتصادية تجاه إيران (مثل المماطلة في رفع العقوبات)، مما يدفع الاتفاق نحو الانهيار الذاتي.
أي أن الردع المتبادل هو “المشرّع” الحقيقي للهدنة ففي عالم السياسة الواقعية، لا يلتزم القوي بالعهد إلا إذا كانت تكلفة النقض أكبر بكثير من عوائد الغدر.
معادلة السلام الهش: قراءة استراتيجية في تفكيك اتفاقيات وقف إطلاق النار مع أطراف لا تؤمن بالعهود
تنطلق المأثورة المأثورة في الوجدان الإنساني والسياسي: “لا أمان لمن لا إيمان له، ولا عهد لمن لا وفاء له” لتضع إصبعها على واحدة من أعقد معضلات العلاقات الدولية عبر التاريخ، وهي معضلة “الوثوق بالخصم التاريخي” في فترات التهدئة ووقف إطلاق النار.
عند إسقاط هذه الحكمة على الواقع الجيوسياسي المعاصر، وتحديداً في الصراع العربي-الإسرائيلي المدعوم أمريكياً، نجد أن “العهد” في القاموس السياسي الغربي والإسرائيلي لا يمت بصلة للمفهوم الأخلاقي للوفاء، بل هو أداة براغماتية بحتة تُقاس بميزان الربح والخسارة.
أولاً: فلسفة العهد بين الأخلاق والبراغماتية النفعية
في الفكر السياسي الواقعي (Realpolitik)، الذي يوجه دفة السياسة الخارجية الأمريكية والإسرائيلية، تُعرّف الاتفاقيات والمعاهدات بأنها “انعكاس لموازين القوى في لحظة زمنية محددة”، وليست التزاماً أدبياً أبداً.
تأطير المصلحة فوق الميثاق: بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل، فإن قيمة أي اتفاق لوقف إطلاق النار تنتهي في اللحظة التي تتبدل فيها الظروف الميدانية، أو عندما تلوح في الأفق فرصة لتحقيق مكسب استراتيجي عبر القوة العارية. هنا، يتحول “الوفاء بالعهد” من فضيلة سياسية إلى “حماقة استراتيجية” في نظر صُناع القرار لديهم.
النزعة النفعية (Utilitarianism): يُنظر إلى الهدنة على أنها “تكتيك” لالتقاط الأنفاس، وإعادة تدوير الذخائر، وتحديث بنك الأهداف بفضل تكنولوجيا الاستطلاع، وليس كخطوة صادقة نحو سلام عادل ومستدام.
ثانياً: جذور غياب الوفاء في العقيدة الأمنية الإسرائيلية
تتغذى الاستراتيجية الإسرائيلية على إرث أمني يقوم على الشك المطلق في الآخر، وتعتبر أن الاتفاقيات المكتوبة مجرد “أوراق مرنة” يمكن صياغتها بـ غموض بنّاء يتيح الانقلاب عليها عند الحاجة. ويظهر هذا في ثلاثة أبعاد عسكرية:
“الحروب الوقائية” كذريعة دائمة: تمتلك إسرائيل وصايتها الخاصة لتفسير مفهوم “الدفاع عن النفس”؛ فأي محاولة من الطرف الآخر لإعادة الإعمار أو ترميم قدراته الدفاعية خلال الهدنة، تُصنف فوراً كـ “خرق وشيك للهدنة” من قِبل الطرف الثاني، مما يمنح تل أبيب الذريعة الأخلاقية والإعلامية لشن ضربة غادرة استباقية.
شرعنة الغدر تحت مسمى الضرورة: عندما ترصد الأجهزة الاستخباراتية صيداً ثميناً (كاغتيال قائد عسكري أو تفكيك شبكة تسليح نوعية)، يسقط فوراً أي التزام بالتهدئة. تصبح التكلفة السياسية لخرق الهدنة ضئيلة جداً مقارنة بالعائد الأمني الفوري المحقق من الغدر بالاتفاق.
ثالثاً: الشراكة الأمريكية.. صياغة العقود بلا ضمانات
تأتي معضلة “لا أمان لمن لا إيمان له” لتتجلى في الدور الأمريكي كـ “ضامن” للاتفاقيات. فالولايات المتحدة، وعبر تاريخ وساطاتها، لم تكن يوماً وسيطاً نزهاً، بل كانت شريكاً يوفر الغطاء السياسي والقانوني للانتهاكات الإسرائيلية:
تفريغ الاتفاقيات من محتواها السيادي: تصر واشنطن على صياغة بنود وقف النار بحيث تجرد الطرف الضحية من أبسط أدوات حماية نفسه، بينما تترك لإسرائيل حرية الحركة الأمنية والتحليق الاستخباري فوق رؤوس المدنيين، مما يشرعن الانتهاك المستمر تحت الطاولة.
انعدام آلية المحاسبة: إن العهد الذي لا تترتب على نقضه عقوبات رادعة هو عهد باطل واقعياً. وبفضل “الفيتو” الأمريكي الجاهز دائماً في مجلس الأمن، تدرك إسرائيل تماماً أنها لن تواجه أي تبعات قانونية أو اقتصادية دولية إذا ما قررت نقض الاتفاق واختيار مسار الغدر الميداني.
رابعاً: البعد النفسي والإدراكي لـ “انعدام الأمان”
من الناحية السيكولوجية والاستراتيجية، فإن القبول بوقف إطلاق النار مع أطراف أثبت التاريخ انعدام وفائها للعهود يضع الطرف الآخر (المقاوم أو المدافع عن أرضه) أمام معضلة إدراكية حادة:
فخ الاسترخاء: تخشى القوى الحية أن تؤدي الهدنة إلى تخدير الوعي الشعبي أو تراجع الجهوزية العسكرية، وهو الضبط الذي تنتظره الآلة الأمريكية-الإسرائيلية للانقضاض في لحظة الغفلة.
البناء على فرضية السوء: الاستراتيجية الحصيفة تقتضي التعامل مع أي اتفاق لوقف إطلاق النار ليس على أنه “بشرى سلام”، بل على أنه “إدارة لمرحلة ما قبل الحرب القادمة”.
أن الردع هو الميثاق والوفاء الحقيقي والتي من خلالها تثبت نواميس الكون وصراعات الأمم أن العهود والمواثيق لا تحمي الضعفاء، وأن من لا يملك القوة لفرض احترام الاتفاق، يوقع في الحقيقة على وثيقة استسلامه المؤجل، وعليه فان النتيجة الحتمية في غياب الإيمان بالمواثيق الإنسانية والقانونية من قِبل معسكر الهيمنة (أمريكا وإسرائيل)، تصبح الضمانة الوحيدة والبديل الشرعي عن “الوفاء المفقود” هي “فوهة البندقية وجهوزية الردع الشامل”. إن الخوف من الرد القاسي، وكلفة الغدر الباهظة التي يمكن أن تلحق بعمق العدو واقتصاده، هي “الضمانة الأخلاقية والسياسية الفعالة” الوحيدة التي تجبر من لا عهد له على الالتزام مجبراً بحدود الاتفاق صاغراً.
الأبعاد المستقبلية: “مأسسة المؤقت” وتحويل الهدنة إلى أداة للهيمنة المستدامة
عند المضي أعمق في استشراف مآلات هذا السلوك الاستراتيجي، نجد أن التخطيط الأمريكي-الإسرائيلي لا يقف عند حدود تحقيق مكاسب ميدانية مجزأة، بل يهدف إلى تحويل مفهوم “وقف إطلاق النار” من حالة استثنائية طارئة إلى منظومة حكم وإدارة مستدامة للنزاع، تخدم ترتيبات أمنية بعيدة المدى.
ويمكن تفصيل هذا التحول عبر محورين استراتيجيين:
1 – استراتيجية “مأسسة المؤقت” (Institutionalizing the Temporary)
تسعى واشنطن وتل أبيب دائماً إلى جعل الوضع المؤقت الناشئ عن الهدنة وضعاً دائماً بحكم الأمر الواقع (De Facto)، ولكن دون منح الطرف الآخر أي مزايا سياسية أو قانونية ترتبط بحالة السلم:
استمرار حالة الطوارئ كأداة تحكم: يبقى وقف إطلاق النار معلقاً بشرط “السلوك الحسن” للطرف الآخر وفق المنظور الأمريكي-الإسرائيلي. هذا يجعل سيف العقوبات والعودة إلى الحرب مصلتاً طوال الوقت، مما يستنزف القدرات الذهنية والسياسية للطرف الخصم في محاولات دائمة لإثبات التزامه، بدلاً من التفرغ للبناء والتنمية.
الرقابة التكنولوجية اللامتناهية: تُستغل فترات الهدنة لزرع شبكات مراقبة تكنولوجية واستخباراتية متطورة (منظومات استشعار، مسيرات استطلاع دائمة، اختراقات سيبرانية للهواتف والشبكات المحلية). هذه الأدوات تُستخدم لجمع بنك أهداف جديد بدقة فائقة، بحيث إذا تقرر نقض الاتفاق، تكون الضربة القادمة حاسمة وشديدة الشلل للطرف الآخر.
2 – البنية القانونية الملتوية: “حقوق بلا واجبات”
في القانون الدولي الكلاسيكي، تفرض الاتفاقيات التزامات متبادلة ومكافئة. لكن في النموذج الذي تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل فرضه، يتم صياغة الاتفاقيات لتكريس معادلة غير متكافئة:
شرعنة التدخل الأجنبي: يتم الإصرار على إدخال قوات دولية أو إقليمية، أو لجان تفتيش بمرجعيات غربية، تكون مهمتها الأساسية مراقبة طرف واحد فقط (الطرف المقاوم أو المناهض للمشروع الأمريكي)، بينما تظل التحركات العسكرية والامتدادات الاستيطانية أو الأمنية الإسرائيلية خارج نطاق صلاحيات هذه اللجان.
تجريد الضحية من حق الرد الذاتي: إذا قامت إسرائيل بخرق “محدود” كاختراق الأجواء أو تنفيذ اغتيال موضعي، يُطلب من الطرف الآخر ضبط النفس وعدم الرد “حفاظاً على الاتفاق الكلي”. وإذا رد، يُتهم بأنه هو من فجر الاتفاق. هذه الآلية السيكولوجية والسياسية تحول الهدنة إلى غطاء آمن لإسرائيل لتنفيذ عملياتها دون خوف من ردود فعل واسعة.
النتيجة الحتمية هو انهيار العقود الافتراضية حيث إن الاستمرار في استخدام هذا النمط من الخداع الاستراتيجي يؤدي بمرور الوقت إلى معضلة دولية خطيرة، وهي “أزمة الثقة الكاملة في الدبلوماسية الغربية”. عندما تتيقن الدول والقوى الإقليمية أن التوقيع على اتفاق مع واشنطن وتل أبيب هو مجرد توقيع على “صك استسلام مؤجل” أو منح الطرف الآخر فرصة للغدر في اللحظة المناسبة، فإنها ستتوقف عن خيار التفاوض كلياً.
ومن هنا يمكننا ان نستنتج من إن الإفراط الأمريكي-الإسرائيلي في نقض العهود والالتفاف على الاتفاقيات يحول البيئة الإقليمية والدولية إلى غابة تحكمها القوة العارية فقط. وفي هذا البيئة الجديدة، تدرك الأطراف المناهضة لهما أن الضمانة الوحيدة للحياة والاستمرار ليست في القانون الدولي أو الوعود الدبلوماسية، بل في مفهوم “الجهوزية الدائمة للحرب” وامتلاك القدرة على إحداث دمار متبادل ومؤلم في عمق العدو؛ فالخوف من الهزيمة أو الكلفة الباهظة هو المشرّع الوحيد الذي يجبر أمريكا وإسرائيل على احترام ما وقعتا عليه.
البعد الجيوسياسي المعاصر: صياغة “الشرق الأوسط الجديد” عبر ثغرات الهدنة
عند النظر إلى المشهد من زاوية أوسع، يتضح أن المسألة لا تقتصر على مجرد “خداع تكتيكي” أو رغبة في تحقيق نصر عسكري خاطف، بل ترتبط برؤية استراتيجية عليا (Grand Strategy) تتقاسمها واشنطن وتل أبيب لإعادة صياغة الجغرافيا السياسية للمنطقة برمتها.
في هذا السياق، يتحول وقف إطلاق النار من أداة لإنهاء الحرب إلى أداة لإعادة هندسة الإقليم عبر مسارات رئيسية:
1 – استراتيجية “تفكيك الجبهات” وعزل الساحات
تعتمد السياسة الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة على مبدأ “فرق تسد” على المستوى الاستراتيجي. عندما تواجه إسرائيل جبهات متعددة ومترابطة، يصبح وقف إطلاق النار وسيلة حيوية لتحقيق الآتي:
الاستفراد بالجبهات: يتم إبرام هدنة مؤقتة مع جبهة محددة لتهدئتها وتحييدها، مما يتيح للجيش الإسرائيلي تركيز كامل قوته النارية والاستخباراتية على جبهة أخرى لاستئصالها أو إضعافها.
كسر وحدة الساحات: تهدف الهدنة هنا إلى إحداث شرخ سياسي ونفسي بين قوى المقاومة والدول الحليفة لها، من خلال إظهار أن بعض الأطراف فضلت سلامتها الإقليمية أو السياسية على حساب وحدة المعركة، مما يسهل وقتها الانقضاض على الطرف المعزول لاحقاً بعد الاستفراد به.
2 – مفهوم “السلام الاقتصادي” كبديل للحقوق السياسية
في العقيدة السياسية الأمريكية الحالية، يُراد لوقف إطلاق النار أن يكون جسراً لفرض ما يُعرف بـ “السلام الاقتصادي”.
يتم صياغة الاتفاقيات بحيث ترهن إعادة الإعمار، وتدفق المساعدات، وفتح المعابر، بتنازلات سياسية وأمنية جوهرية من الطرف الآخر.
إذا رفض الطرف المستهدف هذه الشروط واعتبرها انتقاصاً من سيادته أو سلاحه، تُعلن واشنطن وتل أبيب أن “الطرف الآخر يرفض السلام ويفضل تجويع شعبه”، وبذلك يمتلكان الذريعة الأخلاقية والسياسية أمام المجتمع الدولي لاستئناف العمليات العسكرية ونقض الهدنة، مع تحميل الضحية مسؤولية الفشل.
3 – يكشف السلوك الأمريكي-الإسرائيلي تجاه الاتفاقيات والقرارات الدولية (مثل قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة بوقف الحروب) عن فجوة بنيوية في النظام الدولي:
توظيف القانون الدولي كأداة انتقائية: تُطالب واشنطن وتل أبيب الأطراف الأخرى بالالتزام الحرفي والصارم بالقرارات الدولية ونزع السلاح، في حين تتمتع إسرائيل بحصانة مطلقة (مستندة إلى الفيتو الأمريكي والغطاء السياسي) تسمح لها بتجاوز تلك القرارات دون أي تبعات أو عقوبات.
إعادة تعريف مفهوم الانتهاك: في كثير من الأحيان، تُصنف العمليات الأمنية الإسرائيلية “الخاطفة” (مثل قرصنة السفن، أو الهجمات السيبرانية، أو اغتيال الكوادر علمية وعسكرية) على أنها “أنشطة دفاعية مشروعية”، بينما يُصنف أي رد فعل أو محاولة لخرق الحصار من الطرف الآخر على أنه “عمل إرهابي ناقض للهدنة”.
الردع الذاتي: الضمانة الحقيقية الوحيدة
في المحصلة العميقة لهذا التحليل، تظهر حقيقة تاريخية ثابتة: في غياب ميزان قوى متعادل، تصبح الاتفاقيات مجرد خطط مؤجلة للعدوان. إن الالتزام الأمريكي-الإسرائيلي بأي وقف لإطلاق النار لا ينبع من احترام المواثيق، بل يتناسب عكسياً مع قدرة الطرف الآخر على المفاجأة وإلحاق الأذى. فالقوة الأمنية والعسكرية الفاعلة، وامتلاك أدوات ردع غير تقليدية (سواء كانت عسكرية، تكنولوجية، أو اقتصادية قادرة على تهديد المصالح الحيوية) هي وحدها التي تحول الهدنة من “استراحة محارب يخطط للغدر” إلى “حالة استقرار إجباري” يفرضها الواقع على الجميع.

مستويات التخطيط الاستراتيجي: تفكيك البنية العميقة لخرق الاتفاقيات
عند الانتقال من التوصيف العام إلى التفكيك الهيكلي، نجد أن التملص الأمريكي-الإسرائيلي من التزامات وقف إطلاق النار لا يحدث كفعل عشوائي أو انفعالي، بل يدخل ضمن هندسة جيوسياسية دقيقة تتقاطع فيها أبعاد أمنية، وعقائدية، وإعلامية.
يمكن تقسيم هذا السلوك الاستراتيجي إلى ثلاثة مستويات رئيسية:
1 – المستوى المفاهيمي: “إدارة الأزمات” بدلاً من حلها
تتبنى المدرسة السياسية الأمريكية والبريطانية المحافظة مفاهيم مثل “إدارة النزاع” (Conflict Management) وليس حله. في هذا الإطار:
الاتفاق كأداة هندسة اجتماعية وميدانية: لا يُنظر إلى وقف إطلاق النار كهدف نهائي، بل كـ “مساحة زمنية” يُعاد فيها ترتيب الأولويات. يتم استغلال الهدنة لامتصاص الغضب الدولي، وتهدئة الشارع الداخلي، وإعادة تدوير المخزون العسكري (الذخائر الدقيقة، الصواريخ الاعتراضية للمنظومات الدفاعية).
شرعنة الانتهاك قانونياً: برعت الإدارات الأمريكية في صياغة ملاحق أمنية سرية أو رسائل ضمانات جانبية (Side Letters) تُمنح لإسرائيل. هذه الملاحق تعطي تل أبيب ما يُسمى “حق الدفاع النشط” (Active Defense)، وهو مصطلح فضفاض يمنحها غطاءً قانونياً لخرق الهدنة بذريعة “إحباط التهديدات قبل وقوعها”.
2 – المستوى العملياتي: توظيف “الحرب الإدراكية” و”المنطقة الرمادية”
تعتمد إسرائيل، بدعم تكنولوجي ومعلوماتي أمريكي، على استراتيجيات متطورة لتمرير الانتهاكات دون تحمل التبعات السياسية الكاملة:
عمليات المنطقة الرمادية (Gray-Zone Warfare): بدلاً من شن هجوم عسكري شامل يعلن بوضوح انهيار الاتفاق، يتم اللجوء إلى أنشطة دون عتبة الحرب المفتوحة، مثل:
الاغتيالات الصامتة عبر الطائرات المسيرة الانقضاضية أو الذكاء الاصطناعي.
العمليات السيبرانية الهجومية لتعطيل البنية التحتية لخصومها.
التضييق الخانق عبر الممرات البحرية والبرية لفرض واقع بيئي ومعيشي طارد.
الحرب الإدراكية (Cognitive Warfare): قبل الإقدام على أي خرق كبير، يتم تفعيل آلة إعلامية واستخباراتية ضخمة تهدف إلى شيطنة الطرف الآخر عبر صناعة مبررات الانتهاك. يتم ضخ تقارير استخباراتية (غالباً ما تكون مسربة أو مجتزأة) تزعم قيام الطرف الثاني بحفر خنادق، أو نقل منصات صاروخية، لتهيئة الرأي العام العالمي بأن قرار استئناف القتال هو “خطوة اضطرارية وقائية” وليس غدراً بالاتفاق.
3 – المستوى الهيكلي: معضلة “الضامن غير المحايد”
تكمن الأزمة البنيوية في اتفاقيات المنطقة في أن الطرف الذي يقدم نفسه كراعي وضامن للاتفاق (الولايات المتحدة) هو في الوقت نفسه الممول اللوجستي والشريك الاستراتيجي لأحد أطراف النزاع (إسرائيل). هذا الخلل الهيكلي يؤدي إلى:
1 – غياب آليات المحاسبة: في أي اتفاق دولي قياسي، توجد لجان مراقبة محايدة لتوثيق الخروقات وتحديد المسؤول عنها وتوقيع عقوبات. في الحالة الأمريكية-الإسرائيلية، يتم إجهاض أي محاولة لإنشاء آليات رقابة حقيقية، أو يتم حصر الرقابة في لجان تشارك فيها واشنطن، مما يضمن “الفيتو” المسبق ضد أي إدانة لتل أبيب.
2 – الابتزاز السياسي Political Extortion: تستخدم واشنطن استمرار الهدنة أو انهيارها كأداة ابتزاز ضد الأطراف الإقليمية والدولية؛ فإما القبول بالشروط السياسية والاقتصادية البعيدة المدى للولايات المتحدة، أو السماح لإسرائيل بإنهاء الهدنة والعودة لآلة الدمار.
معادلة الاستقرار البديلة: الردع الشامل
تثبت القراءة المعمقة للتاريخ الحديث أن الاتفاقيات التي صمدت لفترات طويلة (مثل بعض تفاهمات خطوط التماس أو خطوط الهدنة التاريخية) لم تصمد بفضل النوايا الأمريكية أو الالتزام الإسرائيلي بالمعاهدات، بل صمدت عندما كانت “كلفة الحرب” أعلى بكثير من “عوائد الانتهاك”.
إن كسر الهدنة من منظور البراغماتية الأمريكية-الإسرائيلية هو عملية حسابية بحتة (Cost-Benefit Analysis). إذا تبين لغرف صناعة القرار في تل أبيب وواشنطن أن خرق الاتفاق سيؤدي إلى رد فعل صاعق يهدد العمق الاستراتيجي، أو يشل المصالح الاقتصادية الحيوية (كخطوط التجارة ومصادر الطاقة)، فإن الالتزام بالاتفاق يصبح خياراً إجبارياً، وما دون ذلك يظل مجرد حبر على ورق ينتظر لحظة التمزيق المناسبة.

التحليل الجيوسياسي لثنائية الالتزام والانتهاك: هل تغدر أمريكا وإسرائيل باتفاقيات وقف إطلاق النار؟
تعد اتفاقيات وقف إطلاق النار في منطقة الشرق الأوسط من أكثر الوثائق الدبلوماسية هشاشة وعرضة للانهيار. وفي ظل الصراعات المعقدة والمتشابكة، يثور تساؤل دائم في الشارع العربي والمحافل السياسية: هل تنقض الولايات المتحدة وإسرائيل هذه الاتفاقيات وتتنصلان منها؟
لقراءة هذا المشهد بعمق، يجب الابتعاد عن العواطف وتحليل سلوك الدولتين وفق المنظور الاستراتيجي، ومفهوم “الخداع السياسي”، وموازين القوى على الأرض.
أولاً: العقيدة الأمنية الإسرائيلية ومفهوم “الحروب بين الحروب”
بالنسبة لإسرائيل، لا يمثل وقف إطلاق النار “معاهدة سلام دائم”، بل هو إعادة تموضع تكتيكي وراحة محارب. وتتحكم عدة محددات في السلوك الإسرائيلي تجاه أي تهدئة:
1 – مفهوم “الخطوط الحمراء”: ترى إسرائيل أن لها الحق المطلق في انتهاك أي اتفاق إذا شعرت أن الطرف الآخر (سواء كان فصيلاً مسلّحاً أو دولة) يستغل التهدئة لبناء ترسانته العسكرية أو نقل أسلحة نوعية.
2 – استراتيجية “الضربات الاستباقية”: تاريخياً، لا تتردد إسرائيل في توجيه ضربات عسكرية حتى في ظل وجود هدنة، تحت مسمى “إحباط تهديد وشيك”.
3 – تعدد الجبهات وقابلية التفسير: غالباً ما تصيغ إسرائيل والولايات المتحدة نصوص الاتفاقيات بـ “غموض بنّاء” يتيح لهما تفسير البنود لصالحهما. على سبيل المثال، قد يُبرم اتفاق لوقف النار على جبهة معينة، لكن إسرائيل تستمر في تنفيذ عمليات على جبهة أخرى (مثلما حدث في التداخل بين جبهات غزة، لبنان، وإيران)، معتبرة أن الساحة الأخرى غير مشمولة بالاتفاق.
ثانياً: الدور الأمريكي.. بين الوساطة وضمانة الحليف
الولايات المتحدة تلعب دائماً دوراً مزدوجاً؛ فهي “الوسيط” الذي يرعى الاتفاق، وهي في الوقت نفسه “الشريك والاستراتيجي والضامن الأول” لأمن إسرائيل. هذا التناقض يدفع السياسة الأمريكية نحو مسارات محددة:
إعطاء الضوء الأخضر المبطن: نادراً ما تضغط واشنطن على إسرائيل للالتزام الحرفي بالهدنة إذا رأت أن الانتهاك الإسرائيلي يخدم مصالح إضعاف خصوم مشتركين (مثل إيران أو فصائل المقاومة).
1 – تغيير الإدارات والسياسات: السياسة الأمريكية تتبدل بتبدل الرؤساء؛ فالإدارة التي تبحث عن تهدئة إقليمية لفتح ممرات التجارة (كإعادة فتح مضيق هرمز) قد تضغط مؤقتاً لتثبيت الهدنة، لكنها قد تتخلى عن هذا الضغط إذا واجهت ضغوطاً سياسية داخلية أو إذا رأت أن خصومها يستغلون الهدنة لفرض واقع جديد.
2 – الهيمنة وفرض الشروط: تنظر واشنطن إلى الاتفاقيات كأداة لفرض “قواعد لعبة” جديدة، وإذا لم يلتزم الطرف الآخر بالشروط السياسية المصاحبة لوقف النار (مثل نزع السلاح أو القبول بتغيير خطوط الحدود)، فإن أمريكا تدعم العودة إلى الخيار العسكري.
ثالثاً: آليات التملص والانتهاك (كيف يتم الانتهاك؟)
نادراً ما تعلن أمريكا أو إسرائيل إلغاء الاتفاق بشكل صريح، بل يتم الاعتماد على أساليب غير مباشرة لتقويضه:
1 – تحميل الطرف الآخر المسؤولية: الاستناد إلى أي قذيفة منفردة أو خرق صغير من الطرف الآخر كذريعة لشن عملية عسكرية واسعة النطاق، والقول بأن “الطرف الثاني هو من بدأ بنقض الاتفاق”.
2 – استمرار الحصار الاقتصادي والأمني: قد يتوقف القصف العسكري، لكن يستمر الحصار الخانق والتحليق الاستخباري، وهو ما يعتبره الطرف الآخر انتهاكاً لروح الاتفاق، مما يدفعه للرد، فتعود دوائر العنف.
المناطق العازلة (Buffer Zones): فرض واقع ميداني جديد مستقطع من أراضي الطرف الآخر تحت ذريعة حماية الحدود، وقمع أي مدني يحاول الاقتراب منها، مما يجعل الهدنة مجرد غطاء لقضم الأراضي وتغيير الديموغرافيا.
ومن خلال هذه خلاصة والاستشراف تكون الإجابة المباشرة هي: نعم، إن نقض الاتفاقيات أو الالتفاف عليها هو احتمال دائم وقائم في الاستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية. فالإستراتيجية العسكرية لهاتين الدولتين لا تؤمن بالجمود؛ والاتفاق لديهما ينتهي مفعوله بمجرد انتفاء المصلحة منه، أو بمجرد شعورهما بامتلاك تفوق استخباراتي وميداني يسمح لهما بتحقيق مكاسب أكبر عبر الحرب.
وأخيراً في عالم السياسة الدولية، لا تحمي الاتفاقياتُ الضعفاءَ، والضمانة الوحيدة لاستمرار أي وقف لإطلاق النار ليست “النوايا” أو “العهود المكتوبة”، بل هي قدرة الطرف الآخر على الردع وجعل كلفة الانتهاك باهظة ومكلفة لأمريكا وإسرائيل على الصعيدين العسكري والاقتصادي. طالما ظلت كلفة الانتهاك منخفضة، فإن الغدر بالاتفاقيات يظل الخيار المفضل لديهم.