الخميس - 18 يونيو 2026

القصة الثانية منبر الصفيح.. من مجموعة المنبر..!

منذ 5 أيام
الخميس - 18 يونيو 2026

جليل هاشم البكاء ||

 

 

 

لم يكن أحد يصدق أن تلك القرية الفقيرة تستطيع أن تقيم مجلساً حسينياً كل عام.

فالبيوت كانت من صفائح معدنية صدئة.

والطرقات تتحول إلى أوحال مع أول مطر.

والفقر يسكن الجدران كما يسكن الهواء بين الشقوق.

لكن شيئاً واحداً ظل ثابتاً لا يتغير.

المنبر.

في طرف القرية كانت تقوم خيمة كبيرة من القماش القديم.

وفي وسطها يقف منبر صنعه أهل القرية بأيديهم.

أعمدته من الخشب المستعمل.

وجوانبه من صفائح معدنية تم طلاؤها عشرات المرات.

وكان أهل القرى المجاورة يطلقون عليه اسم منبر الصفيح.

بعضهم سخر منه.

وبعضهم استغرب كيف يحرص الناس على الحضور إليه كل عام.

أما أهل القرية فكانوا يرونه أعظم منابر الدنيا.

لأنهم بنوه بعرقهم ودموعهم.

كان أبو زهراء أول الواصلين كل موسم.

رجل تجاوز السبعين.

يحمل مفاتيح الخيمة في جيبه منذ ثلاثين عاماً.

يأتي قبل الجميع بأيام.

يفتح الأبواب.

وينفض الغبار.

ويفحص الأعمدة.

وكأنه يستعد لاستقبال ضيف عزيز.

أما الخطيب الشيخ مرتضى فكان يعمل طوال السنة بائعاً للخضروات.

يجلس في السوق تحت الشمس الحارقة.

وحين يأتي شهر المحرم يتحول إلى خطيب تهتز القلوب لكلماته.

الرادود كان عامل بناء.

يحمل الإسمنت والحجارة نهاراً.

ويحمل القصائد ليلاً.

والطباخ كان نجاراً بسيطاً.

وصاحب مولدة الكهرباء ميكانيكياً.

وفني الصوت شاباً يعمل في إصلاح الهواتف.

كل واحد منهم يحمل مهنة مختلفة.

لكنهم جميعاً يلتقون عند المنبر.

كأنهم أفراد عائلة واحدة.

وفي كل عام كان هناك رجل يراقبهم من بعيد.

اسمه سالم.

أغنى رجل في المنطقة.

يملك الأراضي والمحلات والعقارات.

وكان يمر بسيارته الفاخرة قرب الخيمة.

فينظر إليها بازدراء.

ويضحك أحياناً.

كان يقول لمن حوله:

كيف يضيع هؤلاء وقتهم في هذه الخيمة المتهالكة؟

لو صرفوا جهدهم على التجارة لأصبحوا أغنياء.

وكان البعض يهز رأسه موافقاً.

لكن أحداً من أهل القرية لم يكن يهتم لكلامه.

فهم كانوا يعرفون قيمة ما يفعلون.

وجاء شهر المحرم من ذلك العام.

وبدأت المجالس.

وامتلأت الخيمة بالحضور.

وكان الأطفال يجلسون على الأرض.

والشيوخ على الكراسي القديمة.

والنساء خلف الستائر القماشية.

وكل شيء يسير كما اعتاد الناس.

حتى جاءت الليلة السابعة.

في العصر بدأت السماء تتغير.

تجمعت الغيوم السوداء بسرعة.

واشتدت الرياح.

ثم انهمر المطر بعنف لم تشهده المنطقة منذ سنوات.

اهتزت الخيمة.

وصرخت الحبال.

وتمايلت الأعمدة.

حاول الشباب تثبيتها.

لكن الريح كانت أقوى.

وفجأة سقط أحد الجوانب.

ثم انهار جزء كبير من السقف.

وتحول المكان إلى فوضى.

ركض الناس لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وحملوا أجهزة الصوت والفرش والكتب.

وبعد ساعة لم يبق من الخيمة إلا هيكل محطم.

وقف أبو زهراء وسط المطر.

وكانت الدموع تختلط بماء السماء على وجهه.

نظر إلى المنبر الخشبي الملقى على الأرض.

وشعر كأنه فقد صديقاً قديماً.

قال أحد الشباب بحزن:

انتهى الأمر.

لن نستطيع إقامة المجلس هذه السنة.

ساد الصمت.

وكان الجميع يفكر بالأموال التي يحتاجها الإصلاح.

وهم بالكاد يستطيعون توفير قوت يومهم.

لكن الشيخ مرتضى رفع رأسه وقال:

من قال إن المجلس انتهى؟

نظر إليه الجميع.

فأكمل:

إذا كان أصحاب الحسين قد أقاموا الحق وسط السيوف، فهل نعجز نحن أمام عاصفة؟

كانت الكلمات كشرارة أشعلت القلوب.

وفجأة تحرك الجميع.

الأطفال بدأوا بجمع الأخشاب المتناثرة.

والشباب ذهبوا لإحضار الأدوات.

والنساء بدأن بخياطة الأقمشة الممزقة.

والنجار أحضر ألواحه.

والحداد أحضر أدواته.

وصاحب المولدة أعاد تمديد الأسلاك.

حتى الطباخ جاء ومعه قدر الطعام للعمال.

تحولت القرية كلها إلى ورشة عمل.

عملوا طوال الليل.

ثم طوال النهار.

ثم ليلة أخرى.

وكان التعب ينهش أجسادهم.

لكن أحداً لم يتوقف.

وفي مساء الليلة التاسعة كانت خيمة جديدة تقف في المكان نفسه.

أكبر من السابقة.

وأجمل منها.

وأقوى.

وقف أهل القرية ينظرون إليها بفخر.

وكأنهم شيدوا قصراً عظيماً.

وفي تلك اللحظة توقفت سيارة فاخرة قرب الخيمة.

نزل منها سالم.

الرجل الذي طالما سخر منهم.

كان يحمل ظرفاً كبيراً بيده.

وتقدم نحو أبي زهراء.

استغرب الجميع حضوره.

أما هو فبدا مختلفاً.

كانت عيناه حمراوين كأنه لم ينم.

قال بصوت هادئ:

أريد أن أعتذر.

نظر الحاضرون إليه بدهشة.

ثم أكمل:

كنت أظن أنكم تبنون خيمة.

لكنني اكتشفت أنكم تبنون رجالاً.

كنت أظن أن هذا مجرد مجلس.

لكنني رأيت قرية كاملة تتحول إلى أسرة واحدة من أجله.

وسلّم الظرف إلى أبي زهراء.

فتح الرجل الظرف بارتباك.

فوجد بداخله أوراق مشروع متكامل لبناء حسينية كبيرة على نفقة سالم.

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم انفجرت الدموع.

وبكى أبو زهراء.

وبكى معه كثير من الحاضرين.

أما سالم فرفع رأسه نحو المنبر الجديد وقال:

لقد هزمتني هذه الخيمة.

هزمت غروري كله.

وبعد عام واحد ارتفعت الحسينية الجديدة في قلب القرية.

لكن أهل القرية احتفظوا بالمنبر القديم.

منبر الصفيح.

ووضعوه في قاعة خاصة.

وكان كل طفل يدخل الحسينية يسمع حكايته.

ليعرف أن المنابر لا تبنى بالأموال وحدها.

بل تبنى بالقلوب.

وأن الخيمة التي ظنها الناس ضعيفة كانت أقوى من الريح.

وأقوى من الفقر.

وأقوى من سخرية المتكبرين.

ولهذا بقي نورها مشتعلاً.

كما يبقى المنير دائماً.

حتى في أكثر الأماكن فقراً ونسياناً.