الاثنين - 22 يونيو 2026

البصرة تستحق مدينة للثقافة لا مجرد قاعة مناسبات..!

منذ أسبوع واحد
الاثنين - 22 يونيو 2026

عامر جاسم العيداني ||

 

 

إن الحديث عن إعمار المدن لا ينبغي أن يقتصر على بناء الجسور والطرق والمجمعات السكنية، فهناك نوع آخر من الإعمار لا يقل أهمية بل قد يكون أكثر تأثيرا في صناعة المستقبل وهو الإعمار الثقافي. ومن هنا يبرز السؤال: هل تحتاج البصرة إلى مركز ثقافي متكامل؟ والجواب بكل وضوح ” نعم”.

البصرة بحاجة إلى مدينة ثقافية لا إلى بناية عابرة
رغم ما تمتلكه البصرة من ثقل اقتصادي بوصفها عاصمة العراق الاقتصادية ومصدر معظم ثروته النفطية، إلا أنها ما زالت تعاني من نقص واضح في البنى التحتية الثقافية التي تليق بتاريخها ومكانتها فمدينة أنجبت الأدباء والشعراء والمفكرين وكانت عبر التاريخ بوابة العراق البحرية ومركزا للعلم والتجارة تستحق أن تمتلك مركزاً ثقافيا متكاملا يوازي مكانتها الحقيقية.

إن إنشاء مركز ثقافي كبير في البصرة لم يعد ترفا أو مشروعا ثانويا بل أصبح ضرورة اجتماعية وتربوية وحضارية. فالمسرح الكبير المجهز بأحدث التقنيات سيكون فضاء لاحتضان العروض المسرحية المحلية والعربية والعالمية وإحياء الحركة المسرحية التي كانت يوماً جزءا مهما من المشهد الثقافي العراقي.

كما أن قاعات الاجتماعات والمؤتمرات ستجعل من البصرة وجهة لاستضافة الندوات الفكرية والفعاليات العلمية والمؤتمرات الاقتصادية والاستثمارية، الأمر الذي يعزز مكانة المدينة إقليميا ودوليا ويخلق حركة سياحية وتجارية مرافقة لهذه الأنشطة.

ولا تقل أهمية قاعات الفنون التشكيلية والرسم والخط العربي والتصوير الفوتوغرافي والموسيقى إذ توفر بيئة آمنة ومحفزة لاكتشاف مواهب الشباب وصقلها وإبعادهم عن الفراغ والظواهر السلبية عبر توجيه طاقاتهم نحو الإبداع والإنتاج الثقافي.

ومن الأفكار التي ينبغي أن يتضمنها هذا المشروع إقامة معارض كتب دائمة ومتنوعة تضم إصدارات دور النشر العراقية والعربية والعالمية بحيث تتحول القراءة إلى عادة مجتمعية متاحة للجميع لا ترتبط بمعرض سنوي مؤقت، ويمكن أن تترافق هذه المعارض مع حفلات توقيع الكتب واللقاءات مع الكتاب والأدباء وبرامج خاصة للأطفال والطلبة.

ولا ننسى اهمية اقامة المهرجانات الشعرية والادبية، مثل مهرجان المربد ومهرجان السياب، والقصة والرواية لما تمتلك البصرة من تاريخ في اللغة والأدب والشعر والتي انجبت الفراهيدي والحسن البصري والسياب وغيرهم.

إن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في الإنسان، فالمدارس والجامعات تخرّج طلبة لكن المؤسسات الثقافية تصنع الوعي وتغرس قيم الحوار والانتماء والجمال والتسامح والمدن العظيمة لا تقاس فقط بعدد أبراجها ومشاريعها الاقتصادية بل بما توفره من مساحات للفكر والفن والإبداع.

البصرة اليوم بحاجة إلى مشروع ثقافي استراتيجي يحمل رؤية للمستقبل ويكون رمزا لهويتها الحضارية تماما كما تمتلك المدن الكبرى في العالم مسارحها ومراكزها الثقافية ومكتباتها العامة.

فكما تستحق البصرة مشاريع الإعمار والخدمات فإن أبناءها يستحقون أيضا بيتا كبيرا للثقافة والفنون والمعرفة.

إن بناء مركز ثقافي متكامل في البصرة ليس إنفاقا إضافيا بل استثمار طويل الأمد في صناعة الإنسان البصري الواعي والمبدع وفي ترسيخ صورة مدينة لا تنتج النفط فقط بل تنتج الفكر والجمال والحياة.

كما أن توفير كراجات حديثة لوقوف السيارات وخدمات متكاملة للزائرين سيجعل من هذا المركز فضاء مريحا ومتاحا لجميع شرائح المجتمع ويمنع الفوضى المرورية التي ترافق عادة الفعاليات الجماهيرية.