إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى..!
السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ ﴿9﴾ إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ﴿10﴾ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ ﴿11﴾ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴿12﴾ وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ ﴿طه: 13﴾
ما زلنا نواكب موسى (ع) ونواكب معه أقدار الله، ومشيئة الله، ورعايته له، نواكبه لا لنستعرض القصَّة، بل لنستنبط منها العبرة التي تفيدنا في حاضرنا، فما فعله الله مع موسى يفعله معنا، فإن رعاية الله لعباده ليست حكرًا على أنبيائه ورُسُلُه، بل إنه تعالى يدبِّر أمور خلقه أجمعين المؤمن منهم والكافر على السواء، ولكنه يختص برحيميته المؤمنين من عباده، هؤلاء يجعلهم في حِرزه وكنف رحمته، يسددهم ويؤيدهم، ويهديهم سُبُلَه،
قال سبحانه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴿العنكبوت: 69﴾.
وأبرز ما نلحظه في قصَّة موسى (ع) هو ذلك التقدير الإلهي المبرم الذي كان موسى يسير عليه دون علم منه، هو يتعامل مع خطواته بظاهر الأمور، وهذا هو المطلوب ما دامت صحيحة وفي ذات الله تعالى، لكن الله يتجه به إلى ما قدَّره له، موسى يعلم الظاهر، والله تعالى يعلم الباطن.
لقد انتهت مدة العقد الذي تعاقد عليه موسى مع ذلك الرجل الصالح الذي آواه وحماه وزوَّجه من إحدى ابنتيه، على أن يرعى له موسى غنمه، وكان عليه أن يرجع إلى أهله، إلى مصرَ، فسرى بأهله وما معه من غنم، يجتاز الصحراء الباردة، وفي ليلة شديدة الظلمة وشديدة المطر، وبينما هو قد اقترب من الطور، وهو لا يعلم عنه شيئًا، وصل إلى المكان الذي ستحدث له فيه مفاجأة غير منتظرة.
فبينما هو يسري بأهله في ذلك الليل البهيم الموحش، وذلك الطقس الماطر البارد رأى نارًا، فطلب من أهله أن يمكثوا ليذهب ويأتيهم بقبس، ليشعل به لهم نارًا يتدفؤون بها، وقد جاء التعبير القرآني عن هذا المشهد في غاية البلاغة،
حيث حكى الله لنا قوله: (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا) ولم يقل (إنّي رأيتُ) ولعل السر في ذلك أنه كان يسير في ظلمة موحشة، وفي صحراء لا وجود للبشر فيها في العادة، وقد يكون فيها وحوش ضارية مفترسة، فلما رأى النار أنِسَ بذلك، واطمأن إلى وجود بشر، وهذا يؤنس الساري ليلًا بلا شك.
والملفت في كلام موسى لا يقتصر على ما سبق، بل أضاف أمرًا في منتهى الأهمية، أمرًا يعلمنا كيف يفكر المؤمن، وعلى ماذا يبني أمره في مثل هذا الموقف، لقد آنس نارًا، فأراد الذهاب إليها لعله يأتي بقبس منها ليشعل به لأهله، تلك غايته التي يسعى إليها، ولكنه يعلم أنه في عين الله ورعايته، وأن كل شيء يحدث له يحدث بقدر الله، وقد يكون في تقدير الله أمرًا آخر، وتكون النار التي آنسها مجرد سبب يجتذبه إلى تلك البقعة،
لذلك أضاف: (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) أي أجد من يرشدني إلى الطريق في هذا الليل البهيم، هذا ما احتمله المفسرون. وظني –والله العالم- أنه أراد بالهدى أكثر من ذلك، لا سيما أن كلمة (هدى) نكرة، والنكرة قد تفيد العموم أو الإطلاق بحسب السياق، مِمّا يعني أنه وسّع دائرة رجائه إلى مدى أوسع وأشمل، فقصد بالهدى أي هدى، الذي قد يأتيه من شخص يرشده إلى الطريق، أو يأتيه من الله تعالى، يهديه الله إلى أمر لم يخطر في باله.
وبهذا يعلِّمنا موسى (ع) أن نفتح نوافذ آمالنا على مصاريعها، وألا نحصرها بما نتوقعه ونحتمله، لا سيما أننا نعتقد أن التدبير الإلهي يواكبنا في صغير أمورنا وكبيرها، وأننا نمضي في حياتنا بعين الله ولطفه ورأفته.
والذي يؤكِّد ذلك هو ما حدث بالفعل، إذ حين بلغ موسى المكان الذي آنَسَ فيه النار لم يجد نارًا كتلك التي كان يرغب في أن يأخذ منها ذلك القبس، بل وجد نارًا مشتعلة في شجرة، ونداء يخرج منها يقول له:
يَا مُوسَىٰ ﴿11﴾ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴿12﴾ وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ ﴿طه: 13﴾.
لقد ذهب يطلب قبسًا من النار، ولكنه وجد المفاجأة الكبرى، فسمع نداء الله عند تلك الشجرة المباركة، يخبره أنه قد اختاره رسولًا إلى فرعون الطاغية، لقد ذهب (ع) يريد أمرًا، وكان الله تعالى يريد له أمرًا آخر، وما أكثر ما نريد لأنفسنا أمرًا ويريد الله لنا أمرًا غيره، وما يريده الله هو الأفضل لنا في دنيانا وآخرتنا.
هذا ما نتعلمه من تجربة موسى (ع) وما يجب أن نتعلمه من تجاربنا، فكم من أمر رجوناه وذهبنا إليه ثم عدنا بغيره وكان الأصلح لنا، يقول الإمام أمير المؤمنين (ع): **”كُنْ لِمَا لَا تَرْجُو أَرْجَى مِنْكَ لِمَا تَرْجُو، فَإِنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ (ع) خَرَجَ يَقْتَبِسُ لِأَهْلِهِ نَاراً فَكَلَّمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فَرَجَعَ نَبِيّاً، وَخَرَجَتْ مَلِكَةُ سَبَإٍ فَأَسْلَمَتْ مَعَ سُلَيْمَانَ، وَخَرَجَ سَحَرَةُ فِرْعَوْنَ يَطْلُبُونَ الْعِزَّةَ لِفِرْعَوْنَ فَرَجَعُوا مُؤْمِنِينَ”**
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الخميس الواقع في: 11/6/2026 الساعة (04:05)




