الخميس - 18 يونيو 2026
منذ أسبوع واحد
الخميس - 18 يونيو 2026

الكاتب والناقد السياسي حسن درباش العامري ||

 

 

 

اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية… أم اتفاقية إطار استراتيجي مع إيران؟

منذ توقيع اتفاقية الإطار الاستراتيجي واتفاقية تنظيم الوجود العسكري بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية عام ٢٠٠٨، كان الكثير من العراقيين متوجسين منها كثيرا والبعض علق آمالاً على هذه الاتفاقية، معتقدين أنها ستشكل مظلة سياسية وأمنية تضمن استقرار العراق وتحميه من التدخلات الخارجية والأطماع الإقليمية، وتساعد على بناء دولة مؤسسات حديثة تقوم على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان والحريات العامة.

كان المواطن العراقي يتمنى و ينتظر أن تنعكس هذه الاتفاقية على واقع البلاد بصورة ملموسة، سواء من خلال تعزيز الأمن الوطني أو دعم مؤسسات الدولة أو حماية المصالح العراقية في مواجهة التحديات الخارجية.

إلا أن شريحة واسعة من العراقيين ترى أن النتائج التي تحققت على أرض الواقع لم تكن بمستوى تلك التطلعات، وأن العراق بقي عرضة لأزمات سياسية وأمنية واقتصادية متلاحقة.

ويستشهد أصحاب هذا الرأي بجملة من الملفات التي يرون أنها تمثل إخفاقاً في توفير الحماية السياسية والاستراتيجية التي كانوا يتوقعونها، ومنها الخلافات الحدودية البرية والبحرية مع الكويت، والتحديات المرتبطة بالمياه والمنافذ البحرية، فضلاً عن الأحداث التي رافقت صعود تنظيم داعش وسيطرته على مساحات واسعة من الأراضي العراقية عام ٢٠١٤، وما خلفه ذلك من دمار وخسائر بشرية واقتصادية هائلة.

كما يعتقد هؤلاء أن اتفاقية الإطار الاستراتيجي لم تمنح العراق القدرة الكافية على التحرر من الضغوط الخارجية أو اتخاذ قراراته السيادية بصورة مستقلة، بل إن البعض يذهب إلى اعتبار أن النفوذ الأمريكي بقي مؤثراً في العديد من الملفات السياسية والأمنية داخل البلاد.

وفي المقابل، يطرح بعض المراقبين والسياسيين فكرة التوجه نحو بناء اتفاقية إطار استراتيجي أو دفاع مشترك مع إيران، انطلاقاً من اعتبارات جغرافية وأمنية ودينية واقتصادية ومصير مشترك. ويرى أصحاب هذا التوجه أن إيران تنظر إلى استقرار العراق بوصفه جزءاً من أمنها القومي، وأن حماية العراق من التهديدات الأمنية تصب في مصلحة الطرفين معاً.

ويستند هذا الرأي إلى عدة مرتكزات، منها الامتداد الجغرافي و الروابط الدينية والاجتماعية بين الشعبين، ووجود العتبات المقدسة التي تمثل أهمية كبيرة لدى الإيرانيين والعراقيين على حد سواء، فضلاً عن المصالح الاقتصادية المشتركة التي تجعل استقرار العراق عاملاً مهماً لاستقرار المنطقة بأكملها.

كما يرى مؤيدو هذا الخيار أن أي استثمار عراقي في تعزيز القدرات الدفاعية المشتركة مع إيران سيعود بالفائدة على البلدين، وأن تقوية الاقتصاد الإيراني قد تنعكس إيجاباً على العراق بحكم الترابط التجاري والجغرافي والنفسي القائم بينهما.

ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل تكمن مصلحة العراق في الارتهان لمحور دولي أو إقليمي معين، أم في بناء سياسة خارجية متوازنة تضع المصالح الوطنية العراقية فوق جميع الاعتبارات؟

إن التجارب التي مر بها العراق خلال العقود الماضية تشير إلى أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بالاتفاقيات والتحالفات، بل بقدرتها على بناء مؤسسات راسخة، وجيش قوي، واقتصاد متين، ونظام سياسي قادر على حماية السيادة الوطنية. فالاتفاقيات، مهما كانت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن دولة قوية تمتلك قرارها المستقل وتستند إلى إرادة شعبها ومصالحه العليا.

وفي ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يبقى النقاش مفتوحاً حول الخيار الاستراتيجي الأمثل للعراق: هل يستمر في الرهان على شراكته مع الولايات المتحدة، أم يبحث عن شراكة أمنية أعمق مع إيران، أم يتجه نحو صياغة نموذج عراقي مستقل يقوم على التوازن في العلاقات مع جميع الأطراف دون الانحياز الكامل لأي محور؟ هذا السؤال سيبقى مطروحاً ما دام العراقيون يبحثون عن الدولة القادرة على حماية أرضهم وثرواتهم وقرارهم الوطني.