الخميس - 18 يونيو 2026

وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ..!

منذ أسبوع واحد
الخميس - 18 يونيو 2026

✍ السيد بلال وهبي ـ لبنان ||

 

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴿القصص: 22﴾

لقد أخذ موسى (ع) بنصيحة ذلك الرجل الذي جاءه من أقصى المدينة، مدينة مصر، حيث نصحه بالخروج منها على وجه السُّرعة، لأن فرعون ومَلَئِه يأتمرون به ليقتلوه، فخرج من المدينة خائفًا يترقَّب من يلحق به، ويتلفَّت يمينًا وشمالًا ينظر إلى من يتَّبعه، وقرّر أن يتوجَّه إلى (مديَن) وهي حاضرة بعيدة عن نفوذ فرعون، يحتاج الوصول إليها أيامًا وليالي من السير والسُّرى، ويرى جمعٌ من الباحثين أنها حيث توجد الآن مدينة (معان) الأردنية،

وكان في تلك المدينة صالحون موحِّدون مؤمنون، ومن أبرزهم ذلك الرجل الصالح، ويقال: إنه (قريب شُعَيبُ النبي) الذي سيوفِّر له الحماية والرعاية، وسيزوجه من إحدى ابنتَيه كما يذكر القرآن الكريم.

كان موسى (ع) يدرك أن عليه أن يخرج من نطاق نفوذ فرعون الذي سيُلحِق به جلاوزته ليحبسوه أو يقتلوه، وكانت (مدين) هي تلك الحاضرة البعيدة التي لا يبلغها نفوذ الطاغية، ولعل موسى (ع) كان يعلم أنها المكان الذي يوفِّر له اللجوء الآمن، لكنه لم يكن يعلم من سيوفِّر له ذلك، من سيؤويه ويحميه، ويهيئ له ما يحتاج إليه،

لذلك توجَّه إلى الله تعالى بقلب مفعم باليقين برعاية الله وتسبيب الأسباب له، وقال تلك الجملة المفتاح لمقالتنا هذه، ولعلها كانت دعاءً خفيًا منه، قال: (عَسَىٰ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ)

في ظني -والله العالم- أن موسى (ع) لم يطلب من الله فقط أن يهديه الطريق الأقصر الذي يبلغ به مقصده (مدين) كما ذهب جمع من المفسرين، بل كان يطلب الهداية إلى السبيل المعنوي والروحي، السبيل الذي ينتهي به إلى غاية وجوده في الدنيا وفي الآخرة، السبيل الذي يقدر فيه أن يحقق مشيئة الله وإرادته، إنه يطلب من الله تعالى السبيل الأرشد والأقوم والأسلم الذي لا اعوجاج فيه ولا مَيلٌ، إنما هو وسط، وسبيل قاصد.

هذا الطلب نلحظه عند الأنبياء، وعند الصالحين من عباد الله، يعرفون أنه سبحانه لا يُخليهم من رعايته وهدايته،

فهذا إبراهيم خليل الرحمان (ع) ينقل القرآن الكريم ما جرى عليه حين أراد الطغاة به شرًا: فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ ﴿98﴾ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴿الصافات: 99﴾.

وهكذا كان حال فتية أهل الكهف الذين لم يسألوا إلا أن قالوا: رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ﴿الكهف: 10﴾.

لقد كان الله تعالى عند حُسنِ ظن موسى (ع) به، فقد هداه سواء السبيل، فبلغ به ماء مدين، ثم هيّأ له من يحميه ويرعاه ويهيء له الملجأ الآمن، والزوجة الصالحة، ثم ما كان بعد ذلك مِمّا قدَّره الله له مما لم يكن ليخطر على باله. وإبراهيم الخليل بلغ الله به أعلى مقامات الهداية والولاية، وجعله إمامًا بعد أن كان نبيًا ورسولًا، وخليلًا. وترك عليه في الآخرين وبارك عليه وعلى ذريته. وفتية أهل الكهف كان من عناية الله بهم وهدايته لهم العجب الذي يُدهِش العقول.

والفائدة التي نستنبطها مِما سبق: أن المؤمن إذا صدق التوجُّه إلى الله، وأخلص الطلب له، فإن الله لا يتركه تائهًا في مفازات الحياة، ولو بدا له الطريق غامضًا، والأفق مغلقًا، والأسباب منقطعة، فالهداية التي يطلبها المؤمن من ربِّه هي هداية الطريق المعنوي الذي تسير فيه الروح والقلب ويكون المصير فيه صالحًا طَيِّبًا، ولذلك كان الأنبياء أكثر الناس سؤالًا للهداية، مع أنهم أهدى الخلق وأقربهم إلى الله.

وفي هذا درس عظيم لنا في واقعنا المعاصر، فكثير من الناس يعيشون الحَيرة والاضطراب، ويقفون أمام المنعطفات الكبرى في حياتهم لا يدرون أيَّ سبيل يسلكون، وأيَّ قرار يتخذون، فيغلب عليهم القلق لأنهم يريدون أن يروا الطريق كاملًا قبل أن يسيروا فيه، بينما الإيمان الحقيقي يعلِّم الإنسان أن يسير إلى الله أولًا، ثم يترك لله أن يكشف له الطريق خطوة خطوة.

فجر يوم الثلاثاء الواقع في: 9/6/2026 الساعة (04:04)