النخب والغدير: أزمة هوية أم أزمة شجاعة؟!
د. أمل الأسدي ||

قال تعالى: ((قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)) إذا أردنا الحديث عن الهوية ومظاهرها الاجتماعية، فلا بد من التمييز بينها وبين المظاهر العبادية الفردية؛
فثمة فرق جوهري بين ما يتعلق بعلاقة الإنسان بربه، وما يتعلق بهويته وانتمائه وموقعه داخل الجماعة والمجتمع، فالمظاهر التعبدية، كالصلاة والصيام والإحسان وسائر العبادات،
قد يرغب الإنسان في إظهارها أو إخفائها؛ لأنها ترتبط بدرجة كبيرة بعلاقته الخاصة بالله سبحانه وتعالى، وقد يكون الإخفاء فيها أحياناً أبعد عن الرياء وأقرب إلى الإخلاص، أما الهوية والمظاهر والظواهر المرتبطة بها، فلا تنتمي إلى المجال الفردي الخاص، بل إلى المجال الاجتماعي العام؛
لأنها تمثل وعي الجماعة وذاكرتها وقيمها وثوابتها، لذلك فإن إخفاء الهوية أو التراجع عن إظهارها لا يُعد شأناً شخصياً محضاً، بل ينعكس على المجتمع كله، وعلى الأجيال القادمة، وعلى صورة الأمة أمام العالم،
ومن هنا تأتي أهمية عيد الغدير بوصفه ظاهرةً هوياتيةً اجتماعيةً كبرى، فالرسول الأعظم( صلى الله عليه وآله) لم يعلن الغدير في خلوة، ولم يقدمه بوصفه تجربةً روحيةً فردية، بل أعلنه في أكبر تجمع إسلامي آنذاك، وجعله حدثاً عاماً تشترك فيه الأمة كلها، كما أن الخطاب الإلهي الذي نزل في ذلك اليوم كان خطاباً موجَّهاً إلى الأمة:
((…الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ …)) وهو خطاب يكشف عن أن القضية تتجاوز الفرد إلى الأمة، وتتجاوز اللحظة التاريخية إلى الامتداد الحضاري والإنساني، لذلك يحق لنا أن نتساءل:
على أي أساس تُحوَّل هذه الظاهرة الاجتماعية الهوياتية إلى طقس فردي مكتوم؟ وعلى أي أساس يتنازل الكثير من النخب أو الأكاديمين عن إظهار فرحهم أو عن تبادل التهاني بهذه المناسبة العظيمة؟
فهولاء يخفون فرحهم بعيد الغدير، ويترددون في التهنئة أو حتى في الرد على التهاني، وكأن الأمر شأن خاص لا علاقة له بالفضاء الاجتماعي!! بينما الحقيقة أن هذا الموقف لا يقتصر أثره على صاحبه، بل ينعكس على ترسيخ الهوية في المجتمع،
وعلى وعي الشباب، وعلى صورة الثقافة المحلية أمام العالم، فحين تتحول الهوية إلى مشاعر مكتومة داخل النفوس، تفقد قدرتها على صناعة الوعي الجمعي، وتضعف قدرتها على الانتقال من جيل إلى جيل، أما حين تُعلن وتُمارس ويحتفى بها في المجال العام، فإنها تتحول إلى قوة ثقافية واجتماعية قادرة على حماية المجتمع وتعزيز تماسكه.
وإذا أضفنا إلى ذلك خصوصية التجربة العراقية، اتضحت الصورة أكثر، فقد عاش العراقيون عقوداً طويلة من الملاحقة بسبب هويتهم وانتمائهم ومحبتهم لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وامتلأت السجون بالأحرار، وتكدست المقابر الجماعية بالضحايا، وعانى الناس أشكالاً متعددة من التمييز والإقصاء بسبب معتقداتهم وانتماءاتهم،
وعندما انقشعت تلك المرحلة المظلمة، وأتيحت مساحة من الحرية، وأصبح عيد الغدير واحداً من أبسط مظاهر التعبير الحر عن الهوية والانتماء، كان من المتوقع أن تتسع دائرة إظهاره والاحتفاء به، غير أننا نجد لدی أغلب النخب حالة من التردد والانكفاء يصعب تفسيرها أو تبريرها!!
فهل هو الخوف من اعتراض الآخرين؟أم الخشية من أحكام مسبقة؟أم بقايا آثار المراحل السابقة التي حاولت أن تصادر الهوية وتدفع الناس إلى إخفائها؟
ومهما تكن الأسباب، فإن تحويل الهوية إلى شأن خفي، وحصرها في دائرة المشاعر الخاصة، يمثل تراجعاً عن وظيفتها الاجتماعية والحضارية، ومن هنا ينبغي التأكيد على حقيقة أساسية، وهي أن الهوية تختلف عن العبادة الفردية، فالعبادة قد تُخفى أو تُظهر بحسب ما يراه الإنسان أصلح لعلاقته بربه، أما الهوية فهي مظهر اجتماعي جماعي، ومن واجب أبنائها أن يظهروها ويحافظوا عليها ويعززوا حضورها في الفضاء العام.
إن إظهار الفرح بعيد الغدير، وتبادل التهاني به، وإبراز معانيه وقيمه في المجتمع، ليس مجرد ممارسة عاطفية عابرة، بل هو إسهام في تثبيت الهوية، وترسيخ الوعي، وصيانة الذاكرة الجماعية، وتعزيز الانتماء إلى مدرسة العدالة والرحمة التي يمثلها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.وذلك أقل ما يمكن أن يقدمه المحبون لأمير المؤمنين في يومٍ جعله الله عيداً للولاية، وعنواناً لاستمرار الهداية، ومظهراً من مظاهر الفرح بفضل الله ورحمته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




