الخميس - 18 يونيو 2026

وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ..!

منذ أسبوعين
الخميس - 18 يونيو 2026

✍️ السيد بلال وهبي ـ لبنان ||

 

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴿النمل: 70﴾

تسلية من الله لرسوله الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) وتثبيت له، وهو واجه طغاة مكَّة الذين ما تركوا وسيلة للضغط عليه إلا واستخدموها، ولا طريقة للصَّدِّ عن سبيله إلا واعتمدوها، ولم يكتفوا بأن يُؤثِروا ضلالهم على الهدى، بل أصرّوا على ظلم الناس وإضلالهم، ولقد كان رسول الله (ص) يتألَّم قلبه حزنًا عليهم، وتتقطّع نفسه الشريفة ألمًا لأجلهم، يريد لهم الخير بينما يختارون لأنفسهم الشرّ، يريد لهم عزَّة الإيمان بالله، وهم يعتزّون بالشيطان، يريد لهم خير الآخرة وهم يقصرون نظرهم على دُنيا زائلة، ومتمسّكون بأيام سريعة الانقضاء، فليتركهم رسول الله وما اختاروا لأنفسهم، وليُخلِ نفسه -ولو كانت رحيمة رؤوفة- من لذعات الأسى والحزن عليهم، فإنهم لا يستحقون هذا القدر من الأسى عليهم بعد أن اختاروا الضلال بإرادتهم، ولا يستحقون مثل هذه العاطفة النبوية الطاهرة، وقد ألقوا بأنفسهم في غياهب الضلال، وأوصدوا في وجوههم كل النوافذ التي تشرق عليهم بالنور.

ولقد كانوا يمكرون بالرسول والذين آمنوا معه، ويكيدون لهم المكائد، من تشويه سمعتهم، إلى شَنِّ الحرب النفسية عليهم، وتعذيبهم، ومحاصرتهم، وتجويعهم، ومنع الناس من التواصل معهم، وقتلهم.

وكان بعض المسلمين يخشَون مكر أولئك الطغاة، ويخشون ألّا يقدر المسلمون على مواجهة كيدهم وما يدبرونه في الخفاء من خطط خبيثة للضغط عليهم بقصد ردعهم عن الإيمان، أو التخلّص منهم، فكان الله تعالى يؤكِّد لرسوله الكريم وللمسلمين ألّا يَعظُمَ عليهم ذلك، بل يتقبّلوه باعتبار أنه من الطبيعي أن يمكر الأعداء بأهل الحق، وألّا يدخروا وسيلة أو خطّة للضغط عليهم والإضرار بهم، ويؤكِّد له بهذا أنه في عين الله ورعايته، وأن الله كافله وكافل دينه، وهو ضامن نصره وإعزاز دينه.

إن اختياري للحديث انطلاقًا من هذه الآية الكريمة ليس الهدف منه سرد ما جرى على رسول الله (ص) والمسلمين الأوائل، بل استحضار الخطاب الإلهي لتحديد تكليفنا نحن في هذه المرحلة الصعبة والخطيرة التي نجتازها، وهي مرحلة مليئة بمكر الأعداء ومكائدهم، والمليئة أيضًا بإصرار فئةٍ من أبناء وطننا على المضي بعيدًا في معاداتنا، وتواطؤهم مع أعدائنا على قتلنا وتدمير قرانا وتهجيرنا خارج وطننا، كما يصرِّح بعضهم، على الرغم من مَدّ أيدينا إليهم، ودفاعنا عن وجودهم ووجودنا معًا، وسيادة وطننا وكرامته، وتجربتنا الأخلاقية الراقية التي قدمناها في محطات كثيرة، كانوا يتوقّعون أن نأخذ حقّنا منهم، وأن ننتقم ممن قتلنا وسجننا وعذّبنا، لكننا تسامينا فوق جراحنا وآلامنا، وعفونا عفو القادر الكريم.

ما نمرُّ به اليوم ليس خارجًا عن السُّنَن الإلهية الجارية في حياة الأمم، فكلُّ مشروع حقٍّ تعرّض عبر التاريخ للتشويه والحصار والاستهداف، وكلُّ جماعةٍ أرادت أن تحفظ كرامتها وسيادتها وحريتها دفعت ثمنًا من التضحيات والآلام، ولذلك لا ينبغي أن نتفاجأ بحجم العداء الذي يمارسه هؤلاء، ولا بمستوى التحريض والتواطؤ الذي يذهبون إليه، لأنّ القرآن الكريم حدَّثنا عن أقوامٍ وقفوا في وجه أنبيائهم، وحاربوا المصلحين من داخل مجتمعاتهم، وسعوا لإطفاء نور الله بأفواههم، ولكنّهم في نهاية المطاف لم يستطيعوا أن يمنعوا إرادة الله من أن تتحقّق.

إنّ القرآن الكريم لا يُنكر ولا يُخفي حقيقة المكر الذي يمارسه أهل الباطل، ولا يهوِّن من خطره، بل يكشفه بوضوح، ويُعرِّي أساليبه، من التشويه الإعلامي، إلى الحرب النفسية، إلى بثِّ الشائعات، وإثارة الانقسامات، ومحاولة إخضاع الناس بالخوف والتهديد، ولكنّه في الوقت نفسه يُربِّي المؤمنين على ألّا يتحوّل إدراكهم لهذا المَكر إلى خوفٍ يشلّهم، أو إلى قلقٍ دائمٍ يُربكهم، لأنّ أهل الباطل مهما امتلكوا من أدوات القوة، فإنّهم يبقون محدودين بعجزهم البشري، أمّا الله سبحانه فهو المدبِّر الذي لا يُغالَب، وهو الذي أحاط بكلِّ شيءٍ علمًا وقدرةً، ولذلك كان القرآن يربط دائمًا بين مكرهم وتدبير الله تعالى، ليُشعر المؤمن بأنّه ليس متروكًا في هذه المواجهة، وأنّ يد الله فوق كلِّ الأيدي، وأنّ عناية الله قادرة على تحويل أخطر المؤامرات إلى أسبابٍ لانتصار الحقِّ وانتشاره.

فجر يوم الخميس الواقع في: 4/6/2026 الساعة (04:09)