غياب الشخصيات الوازنة يهدد استقرار العملية السياسية..!
المهندس مهدي الزبيدي ||

لا يخفى على أحد أنَّ المشهد السياسي العراقي يمرّ بمرحلة شديدة الحساسية والخطورة، في وقتٍ تتعاظم فيه الأزمات الداخلية والتحديات الخارجية بصورة غير مسبوقة.
إلا أنَّ المشكلة الأبرز تكمن في افتقار العديد من المتصدين للمواقع العليا في الدولة إلى الخبرة السياسية العميقة والتجربة التراكمية القادرة على إدارة الأزمات واحتواء الانقسامات وحماية استقرار البلد.
إنَّ السياسة ليست مجرد وصول إلى السلطة أو امتلاك للمال والنفوذ، بل هي قدرة على قراءة التحولات، وفهم موازين القوى، واتخاذ القرارات المصيرية في اللحظات الحرجة. وما نشهده اليوم من ارتباك وتنازع داخل مؤسسات الدولة يعود في جانب كبير منه إلى صعود شخصيات حديثة العهد بالعمل السياسي، تمكنت عبر النفوذ المالي والسلطوي من السيطرة على مفاصل الدولة وتوجيه مقدراتها لخدمة المصالح الخاصة، بدلاً من تسخيرها لحماية مصالح العراق وشعبه.
والأيام المقبلة قد تكون أكثر صعوبة وتعقيداً، فالمنطقة بأسرها تقف على حافة صراعات خطيرة، والعراق لا يمكن أن يكون بمنأى عنها كما يروّج البعض. فالعراق بحكم موقعه الجغرافي وارتباطه الثقافي والعقائدي والسياسي يعدّ في قلب الأحداث، وليس على هامشها. وأي تصعيد إقليمي، خصوصاً إذا أدى إلى إغلاق المنافذ البحرية عبر الخليج، ستكون له تداعيات كارثية على الاقتصاد العراقي الذي يعتمد بصورة شبه كلية على صادرات النفط ومساراته الحيوية.
والمؤسف أنَّ الحكومات المتعاقبة لم تعمل بجدية على تحرير القرار الاقتصادي العراقي من الهيمنة الخارجية، بسبب حالة الخضوع والاستسلام للإرادة الأمريكية، الأمر الذي جعل الاقتصاد والسيادة وحتى القرار الوطني مرتهناً للخارج.
كما أنَّ العراق لم ينجح حتى الآن في بناء منظومة ردع حقيقية تحمي سيادته وتجعله دولة مهيبة يحسب لها الحساب، بل باتت أجواؤه وأراضيه في كثير من الأحيان مستباحة أمام الاعتداءات والانتهاكات.
إنَّ تعقيد الأوضاع ازداد بعد الذهاب إلى خيارات سياسية وحكومية قائمة على التوافقات الهشة والمصالح الضيقة، بعيداً عن بناء دولة قوية تمتلك قرارها المستقل.
ومن هنا فإنَّ الحل لا يكمن في الارتماء بأحضان المحتل أو الرهان على الخارج، بل في التمسك بسيادة العراق واستقلال قراره، والعمل على حماية ثرواته، وإعداد الجماهير لتحمل المسؤولية والدفاع عن الوطن في مواجهة التحديات المقبلة.
فأي نظام سياسي لا يستند إلى إرادة شعبه ولا يستمد قوته من التفاف الجماهير حوله، لن يكون قادراً على الصمود مهما امتلك من أدوات السلطة.
أما التعويل على القوى الخارجية فلن يجلب سوى المزيد من الارتهان والابتزاز وفقدان القرار الوطني.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾.
سورة هود /113.




