الخميس - 18 يونيو 2026
منذ شهر واحد
الخميس - 18 يونيو 2026

ضياء المحسن ||

 

 

قبل كل شيء لماذا لم تًبقِ الولايات المتحدة على محمد شياع السوداني رئيسا للوزراء؟

مع التحولات التي شهدها العام الحالي، ومع ملاحظة جوهر التعقيد في العلاقات العراقية ــ الأمريكية يمكن ملاحظة أن عدم التجديد جاء على خلفية زوايا استراتيجية واقتصادية، فهناك أولا الضغوط القصوى التي مارستها واشنطن فيما يتعلق بمعايير دعم رئيس الوزراء،

فحتى مع نجاح السوداني في المحافظة على استقرار في ملف الفصائل المسلحة، لكن البيت الابيض يجد أن ميزانية الحشد الشعبي وحتى تعدادها قد تضاعفا في حكومة السوداني، وهذا ما تعتبره واشنطن ابتعادا عن خطة حصر السلاح بيد الدولة التي تشترطها لإستمرار الدعم الاستراتيجي،

كما أن الولايات المتحدة استخدمت ورقة الدولار بشكل مفرط في الآونة الأخيرة في محاولة للضغط على بغداد من خلال، إنهاء استثناءات الطاقة الممنوحة لبغداد في استيراد الطاقة والغاز من ايران، بما وضع حكومة السوداني في مواجهة مباشرة مع أزمة خدمات معقدة، ناهيك عن الرقابة على التحويلات لمنع وصول الدولار الى جهات خاضعة للعقوبات، بحيث أنها تجد في الحكومة المقبلة فرصة لتطبيق نموذج مالي أكثر توافقا مع المعايير الدولية الصارمة.

المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة (علي الزيدي) يمثل نموذجا للشخصية التي لم تتورط في صراعات الأجنحة السابقة (بحسب وجهة نظر واشنطن)، وهي تفضل خلال المرحلة المقبلة وجوها تكنوقراط أو شخصيات تسوية، لا تمتلك قاعدة حزبية ضخمة من الممكن أن تستخدمها في الأوقات التي تجد أنها يمكن أن تتصادم مع الآخرين، بالتالي يمكن بسهولة تمرير ملفات حساسة مثل جدولة الانسحاب أو التحول الرقمي في الكمارك والضرائب بإشراف دولي.

البيت الابيض أدرك في وقت مبكر أن المطبخ السياسي داخل الإطار التنسيقي لم يعد يرغب بشخص السوداني (حتى مع أنه حقق تقدما في الانتخابات البرلمانية 2025) لا يميل الى تكريس سلطة الفرد لفترتين متتاليتين خشية من التغول السياسي، بحيث أنها وجدت في التغيير فرصة لإعادة صياغة عقد الشراكة بينها وبين بغداد، لكن بشروط جديدة.

هل يمكن أن يكون نوري المالكي وسيط بين الفصائل و واشنطن؟

هذه الفكرة قد يبدو أنها تصطدم بعوائق بنيوية وتاريخية تجعل من الصعوبة بمكان تسويقه كوسيط بين الفصائل و واشنطن، فهناك فجوة تلقي بظلالها على العلاقة بين المالكي والبيت الابيض، حيث تحمل واشنطن المالكي مسؤولية الانهيار الامني عام 2014، كما أنها تجد في أسلوب الحكم الذي اتبعه المالكي ساهم الى حد كبير في إضعاف المؤسسة العسكرية لصالح نفوذ موازٍ

، من هنا فهي تعتبره طرفا في أزمة وليس حلا لها، كما أن واشنطن لا تريد مترجم ينقل الرسائل بينها وبين الفصائل المسلحة، بل تبحث عن ضامن يمتلك القدرة والرغبة في لجم نفوذ تلك الفصائل فعليا، والمالكي يعد حليف استراتيجي لهذه الفصائل، من ثم فإن قدرته على ممارسة دور الوسيط النزيه مشكوك بها (ضمن الحسابات الأمريكية)،

بعد ذلك فإن تسويق المالكي كخيار وحيد للتفاوض مع الخارج يثير حفيظة شركائه ومنافسيه داخل الإطار التنسيقي والقوى السياسية الأخرى، فعندما يحصل على مباركة واشنطن كوسيط هذا يعني منحه تفوضيا سياسيا قد يتم ترجمته الى هيمنة داخلية أوسع، الأمر الذي تحاول أطراف عديدة على تجنبه للمحافظة على توازن القوى.

واشنطن تجد أن المالكي سياسية بامتياز، في الوقت الذي تجد أن المرحلة اللاحقة بحاجة الى وسيط يتحدث بلغة الأرقام والإمتثال المالي والشفافية، وهي معايير تجد واشنطن أنها يمكن أن تتوافر في شخصيات أكاديمية أو تكنوقراطية صاعدة، خاصة مع توجه العراق نحو أتمتة النظام المالي (ربط الكمارك والضرائب، منظومة الأطراف الثالثة)،

بالمحصلة النهائية يبدو أن واشنطن لا تميل الى إدارة الصراع مع الفصائل عبر الوسطاء، بل تتبنى استراتيجية تفكيك الارتباط المالي والسياسي، حيث أنه في هذه الحالة لا يمكن أن يكون الشخص القوي سياسيا هو الوسيط المثالي، بل يجب أن يكون هذا الشخص مرناً بحيث يسهل عليه تمرير الاصلاحات الهيكلية التي تضعف النفوذ الموازي بشكل غير مباشر عبر القانون والمؤسسات.

والكلام ذي صلة..