الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ..!
✍️ السيد بلال وهبي ـ لبنان ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴿الرعد: 28﴾
الإنسان من منظور القرآن الكريم ليس كائنًا ماديًا بيولوجيًا وحسب، بل كائن مركَّب من:
الجسد، وله حاجاته المادية، وتتم تغذيتها مِمّا خلقه الله في الطبيعة من طعام على اختلاف أنواعه وماء، وقد يمرض فيعالَج بعلاجات مادية هدى الله الإنسان إليها.
النفس، ولها رغبات، وانفعالات، ومشاعر، وعواطف، وهي التي تستجيب، وترفض، وتُحِبُ وتكره، وتُقبِل وتُدبر، وتنشط، وتكسُل، ولها حاجات، وتعتريها أمراض، وتتم معالجتها بطرق نفسية.
الروح، وهي القوة التي يحيا بها الجسد ويتحرك، وهي تحِلُّ في جسد الإنسان وهو في رحم أمه، ولا تغادره إلا عند انقضاء أجله، وبمغادرتها له يموت ويفنى الجسد. وهي من العالم العلوي، أي من عند الله تعالى، قال سبحانه: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴿الحِجر: 29﴾.
القلب، وهو في المنظور القرآني مركز الإدراك والإرادة، والقيم، ولذلك تُنسَب إليه الطمأنينة، والقسوة، والمرض، والانشراح.
وكما أن للجسد والنفس والقلب حاجات لا يطمئن إلا بتلبيتها، كذلك الروح لها حاجات لا بد من تلبيتها، وتستقى تلك الحاجات من عالم الروح، أي بالارتباط بالله سبحانه وتعالى، ويتم ذلك من طريق الذكر، والذكر يعمُّ الذكر القولي والذكر الحالي، أي أن يكون المرء على حالٍ من ذكر الله بحيث لا يغفل عن أنه في محضره تعالى، وأن الله يرعاه، ويدبِّر أمره، ويرزقه، ويراه، ويعلم بجميع ما يكون منه من أفعال ظاهرة، أو أقوال معلنة، أو أحوال باطنة.
وما من شك في أن هذه الأبعاد متكاملة فيما بينها، كل واحد منها يؤثِّر في طمأنينة الآخر، أو فيما يعتريها من أمراض وأعراض، فعندما تختل العلاقة بينهما يحدث الاضطراب، على شكل أمراض تصيب البدن، أو إنهاك، أو توتر يصيب النفس، أو قلق، أو قسوة في القلب أو سوى ذلك مما هو مجرَّب لنا جميعًا.
ولا يفوتني التنبيه إلى أنه ليس كل اضطراب يحدث في النفس من قلق أو اكتئاب ينشأ من أسباب معنوية فقط، بل قد ينشأ من أسباب بيولوجية، والعهدة في تشخيص ذلك على الطبيب النفسي الذي يجري فحوصات وتحاليل ويشخِّص الحالة، حيث تنشأ من خلل في الهرمونات فيتم علاجها ماديًا “بيولوجيًا” لكن والحقُّ يقال: إن معظم الاضطرابات النفسية تنشأ من فراغ معنوي، ووجودي، وحيرة الانسان في الإجابة على أسئلته الوجودية من قبيل: ما أنا، ومن أين أتيت، وما معنى وجودي، وما دوري في الحياة، وإلى أين ينتهي بي الحال، والانفصال عن الله تعالى يستجلب كل ذلك أو معظمه.
أما القلب المؤمن بالله المتصل به، الذي يعرف صاحبُه ما هو، ومن أين جاء، ومن الذي خلقه، ولماذا خلقه، والغاية التي ينتهي إليها، والمتصل بالله دائمًا بالذكر والعبادة والتفكُّر فلا شكَّ في أنه يستقر ويطمئن.
ومعلوم أن الإيمان الذي يطمئن معه القلب ليس الإيمان العادي العلمي الذي يؤمن صاحبه بأن الله خالقه وموجده ومدبر أمره، بل هو ذاك الإيمان الذي ينعقد عليه القلب ويجري مع الإنسان مجرى دمه، ويبلغ به مرحلة اليقين والثقة بالله والارتباط العميق والمتواصل مع الله، ويمثل الذكر سواء كان قوليًا أو حاليًا وسيلة ذلك الارتباط الذي لا ينقطع بحال من الأحوال، وفي تأكيد الآية الذكر مرة أخرى حيث قالت: “الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ” دليل على أن الذكر هو المصدر الوحيد للطمأنينة الحقيقية، وليس شيئًا آخر من عافية، أو ثراء، أو سلطة، أو علاقات، أو قوة.
إن الاطمئنان بذكر الله في قلوب المؤمنين حقيقة عميقة يعرفها الذين خالطت قوة الإيمان قلوبهم، فاتصلت بالله، يعرفونها، و لا يملكون بالكلمات أن ينقلوها إلى الآخرين الذين لم يعرفوها، لأنها لا تنقل بالكلمات، إنما تسري في القلب فيستريح إليها ويستشعر الطمأنينة والسلام، ويحسّ أنه في هذا الوجود ليس منفردًا بلا أنيس، فكل ما حوله يُؤْنِسه، إذ كل ما حوله من صنع الله الذي هو في حماه.
فجر يوم الأحد الواقع في: 10/5/2026 الساعة (04:29)




