الخميس - 18 يونيو 2026

لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَىٰ..!

منذ شهر واحد
الخميس - 18 يونيو 2026

✍️ السيد بلال وهبي ||

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَىٰ…﴿الرعد: 18﴾

في هذا المقطع من الآية الكريمة، يبيّن الله سبحانه عاقبة الذين استجابوا لله، فأطاعوا أمرهم، واجتنبوا نهيه، ومضوا على صراطه المستقيم، يعملون الصالحات، ويتقرِّبون إليه بأنواع القُرُبات، وينشرون الخير في الناس ويكونون من أهله، ويدعون إلى الحق ويحملون لواءه، ويدافعون عنه وعن أهله، وينكرون الباطل ويواجهون المُبطلين، ويأمرون بالمعروف ويعظِّمون أهل المعروف، وينهون عن المنكر ويجتنبونه وأهله، ويستجيبون لأوليائه المعصومين، والقادة الصالحين الذين يدعونهم إلى الهدى والإيمان والخير والعمل الصالح وبناء الحياة الإنسانية المُثلى على هدي الله ووفق إرادته ومشيئته.

هؤلاء لهم الحُسنى، والحُسنى، اسم تفضيل مؤنث “الأحسن” وقد جاء مطلقًا في الآية الكريمة مما يجعله دالاً على الشمول إن من حيث الأحسن في كل ما يجزيهم الله عليه ويثيبهم به، أو من حيث المعنى، وقد ذكر المفسرون معاني عديدة للحسنى، فمن قائل: أن الحسنى تعني الثواب الحَسَنَ، أي الجزاء الطّيِّب من الله تعالى. وقائل: أنها العاقبة الحسَنَة في الدنيا والآخرة. وقائل: أنها الجنَّة باعتبارها المصداق الأمثل والأكمل للحُسنى. وقائل: أنها الحال أو المقام الحسَن عند الله وفي القُرب منه. ويمكننا أن نضيف معنى آخر جامعًا لجميع ما تقدم وهو أن الحُسنى تعني حُسنَ الجزاء، وحُسنَ العاقبة، وكمال النعيم في الآخرة.

ثم إنَّ في هذا المقطع الكريم من الآية نقاطًا يجدُر أن نقف عندها:
أولاً: في الآية هنا قال تعالى: “لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا” بينما في آيات أخرى دعا سبحانه المؤمنين إلى الاستجابة لله ولرسوله من ذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ…﴿الأنفال: 24﴾ والفرق بيِّنٌ بين الآيتين، ففي الأولى تأكيد على أن الاستجابة قد تحققت منهم بالفعل، أي أنهم قد امتثلوا أمرَ الله وأطاعوه حقًا، واستقرّ فيهم هذا الوصف، وصف الاستجابة، والله تعالى يمدحهم، ويثني عليهم، ويذكر ما أعدَّ لهم من ثواب وعاقبة حسنة. أمّا في الآية الثانية ففيها خطاب تكليفي مباشر لكل مؤمن أن يبادر ويستجيب لله، ويجسِّد إيمانه بالفعل، ولا يكتفي به في قلبه، ذلك أن الإيمان ما وقر في القلب وصدَّقته الأعمال.

ثانيًا: إن الاستجابة لله لا تقتصر على الاستجابة الشعورية القلبية، بل يجب أن تتجلَّى في التسليم القلبي لله، وقبول أوامره ونواهيه، والإيقان أن المصلحة الحقيقية الواقعية تكمن فيها، وفي امتثالها، وأن يكون امتثالها خالصًا لوجه الله تعالى. وأن يصطبغ المؤمن بصبغة الإيمان في أحواله، وأفعاله، ومواقفه.

ثالثًا: جاء في الآية الكريمة: “اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ” ولم يجئ تعبير استجابوا لله، والله تعالى هو الرب، ولكن الإتيان بصفة الربوبية لأن الأوامر والنواهي تصدر من هذه الصفة الكريمة، أي من مقام الربوبية، والربُّ هو الذي يدبِّر شؤون خلقه بلطفه ورأفته وحكمته، والمؤمن يعلم أن ربَّه لا يأمره إلا بما هو خير له واقعًا، فيحمله ذلك على الطاعة بوعي وقناعة وشوق.

رابعًا: إن الاستجابة لله تعالى يجب أن تكون شاملة لا تقتصر على أمر دون أمر، فالمؤمن بالله يؤمن بجميع ما جاء من عنده، سواء اتفق مع أهوائه أو اختلف، وفيما هو سهل ويسير، أو صعب وخطير، وأعظم ما تكون الاستجابة حين يتعارض أمر الله مع هوى النفس، أو ما يكون فيه كلفة، أو يتطلَّب بذل جهد، أو وقت، أو مال، أو نفس، وبه تكون الاستجابة مشروع حياة حقيقي.
✍️ السيد بلال وهبي
فجر يوم السبت الواقع في: 9/5/2026 الساعة (04:31)