الخميس - 18 يونيو 2026

ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ..!

منذ شهرين
الخميس - 18 يونيو 2026

✍️ السيد بلال وهبي ـ لبنان ||

 

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿يونس: 103﴾

حق على الله تعالى أن يُنجي عباده المؤمنين على طول مسيرة الإيمان، كما أنجى أنبياءه ورسُلَه على طول التاريخ النبوي والرسالي، هذا ما يعِدُ الله به، وما يعِدُ الله به كائن لا محالة، “إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا”

*<هذا ما تقرِّره الآية الكريمة، تبشِّر به المؤمنين، وتطمئنهم من أن يصيبهم ما يكرهون وهم يواجهون الطغاة والظالمين، فإنهم بمنجاة من ذلك، فكما أنجى رُسُلَه، كذلك ينجي المؤمنين السائرين على هدى رُسُلِه، وقد أكَّد الله ذلك بقوله: “كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ”** فهو وعد قاطع، لا يعتريه شك، قد أوجبه الله على نفسه فضلًا منه وكرمًا.

وذكر المفسرون: أن جزم الفعل “نُنْجِ” يكشف عن مزيد من فضل الله وكرمه وإحسانه إلى عباده المؤمنين، ففي مجي‏ء الفعل “نُنْجِ” مجزومًا، ولا جازم له، يفتح الطريق إلى تقدير فعل أمر، ليقع هذا الفعل تحت سلطان الأمر من الله تعالى، وهو أمر من الله سبحانه إلى نفسه، والتقدير: كذلك حقًا علينا إنجاء المؤمنين، فلنُنْجهم إذن!!

وأكَّد تعالى في موضِع آخر من كتابه العزيز، أن إنجاءه المؤمنين سُنَّة من سُنَنِه التي لا تتبدَّل ولا تتحوَّل، حيث قال سبحانه: “كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ” ﴿المجادلة: 21﴾.

فقد جرت سُنَّة الله في خلقه أن يُرسِل الى الناس رُسُلًا منهم مُبشرين ومُنذرين، فيصدّقهم البعض، ويكذبهم آخرون، فيُهلِك المكذِّبين، ثم يُنْجي الرُّسُل والمؤمنين، وإن نجاتهم من العذاب حق لهم على الله يطالبونه به، تمامًا كأصحاب الحقوق، وإنَّ على الله تعالى أن يؤديه لهم كاملًا غير منقوص.

هذا ما وعد الله به وسَنَّه، وهذا ما يُثير في الذهن سؤالًا جوهريًا له صلة بما حدث ويحدث اليوم للمؤمنين من قتل لهم ولقادتهم، وتدمير لبيوتهم وأرزاقهم، فكيف ينسجم هذا مع الإنجاء الإلهي لهم؟!

يمكن الإجابة على هذا السؤال، بأن الإنجاء ليس ماديًا دائمًا، ذلك أن طبيعة الحياة قائمة على وجود الحوادث، والمخاطر، والأمراض والأوبئة، كما أن من طبيعة الحروب أن يُجرَح فيها المقاتلون، ويسقط الشهداء، وتُدَمَّر البيوت والمؤسسات، وهذا ما حدث بالفعل في تاريخ النبوات والرسالات، فإننا نعلم أن كثيرًا من الأنبياء والرُّسُل قد قُتِلوا ظلمًا وعُدوانًا، لا سيما أنبياء بني إسرائيل.

حيث يقول تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ” ﴿آل عمران: 21﴾. ونعلم أن كثيرًا من أولياء الله والمعصومين (ع) قد قُتِلوا وعُذِّبوا وسُجِنوا.

وعليه، فقد يٌقْتَل المؤمنون ولكنهم ينجون من الضلال، والانحراف، والباطل، وينجو مشروعهم الرباني، بل إن نجاة مشروعهم وانتصارهم مشروط بأن يُضحّوا من أجله، ويبذلوا فيه مهجهم وأرواحهم، وإنهم لينجون بثباتهم، ونيلهم الشهادة، والفوز بالآخرة، وهذا هو النصر الحقيقي من منظور القرآن الكريم، نعم، لقد استُشهد الإمام الحسين (ع) في كربلاء، لكن الإنجاء تحقق في بقاء مشروعه حيًا إلى يومنا هذا، وسيبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وبهذا نُمَيِّز بين النصر الدنيوي والإنجاء الإلهي، فالنصر على الأعداء قد يتأخّر حتى تتكامل أسبابه وظروفه، بينما الإنجاء متحقِّق حتى ولو جُرِج المؤمنون أو أُسِروا أو قُتِلوا، وذلك بفوزهم في الامتحان، واجتيازهم الابتلاء الإلهي بنجاح، من هنا فإن قتلهم لا ينقض الوعد الإلهي، بل قد يكون هو نفسه شكل من أشكال الإنجاء الإلهي.

على أن الابتلاء سُنَّة إلهية جارية في المؤمنين كما في غيرهم، قال تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴿2﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴿العنكبوت: 3﴾ فالابتلاء ليس نقضًا للوعد الإلهي، بل شرط ضروري لتمييز الصفوف، وإظهار مكنون الناس، والكشف عن قابلياتهم، وتعريفهم بحقيقة نفوسهم.

فجر يوم السبت الواقع في: 2/5/2026 الساعة (04:38)