الحصار البحري المتأخر..!
رأفت الياسر ||

أعلنت الولايات المتحدة فرض حصار بحري على الجمهورية الإسلامية في إيران بتاريخ 13/4، بهدف منع دخول وخروج السفن ضمن سياسة “الضغط الأقصى”. نظرياً، هذا الإجراء كفيل بإحداث انهيار اقتصادي لدولة يعتمد جزء مهم من دخلها على تصدير النفط.
لكن الإشكال الجوهري أن هذا الحصار، إن كان جاداً، فهو متأخر زمنياً.
الولايات المتحدة تمتلك القدرة على فرض حصار مماثل قبل اندلاع أي مواجهة، وكان بإمكانها حينها دفع إيران إلى الاستسلام، رغم علمها المسبق بإمكانية طهران إغلاق مضيق هرمز.
لماذا لم يحدث ذلك؟
أعتقد أن الحصار بصيغته الحالية غير واقعي، وذلك للأسباب التالية:
1. فرض حصار بحري شامل على إيران سيقابله إغلاق كامل لمضيق هرمز. حتى لو تضررت إيران اقتصادياً، فإنها ستنقل الضرر إلى السوق العالمي عبر رفع أسعار الطاقة، ما يجعل الحصار يرتد على الاقتصاد الدولي.
2. الهدف الأمريكي يتجاوز إيران بحد ذاتها. فالهدف هو التحكم بسوق الطاقة العالمي، على غرار ما حدث في فنزويلا.
هذا يتقاطع مع هدف مختلف لدى نتنياهو ذي الطابع التوسعي، لكن الطرفين يلتقيان مرحلياً على عدو واحد.
في هذا السياق، تدرك واشنطن أن الصين تتقدم بوتيرة متسارعة في مجالات متعددة، وأن كبحها بشكل مباشر أصبح صعباً. لذلك يصبح التحكم بإمدادات النفط العالمية وسيلة غير مباشرة لخنق الاقتصاد الصيني.
وبناءً على ذلك، من غير المتوقع أن تقف الصين موقف المتفرج، بل ستسعى لتأمين النفط الإيراني بطرق مختلفة، سواء عبر أساطيلها أو عبر شبكات التفاف معقدة.
وبالفعل دخلت إحدى السفن الصينية وكسرت الحصار بحسب وسائل الإعلام.
وهذا السلوك يمتد أيضاً إلى الهند التي تعتمد جزئياً على النفط الإيراني، ما قد يبعدها تكتيكياً عن الموقف الأمريكي.
3. الانتشار البحري الأمريكي في الخليج لا يعمل في بيئة آمنة. القطع البحرية ستكون ضمن مدى التهديد للصواريخ الساحلية، والطوربيدات، والزوارق السريعة الإيرانية، ما يرفع كلفة العمليات بشكل كبير ويحوّل الحصار إلى عبء عسكري وإستنزاف مفتوح.
4. تمتلك إيران خبرة طويلة في الالتفاف على العقوبات والحصار، كتغيير أعلام السفن، استخدام وسطاء وشركات واجهة، نقل النفط بين السفن في عرض البحر، واتباع مسارات بحرية غير تقليدية. هذه الأدوات تقلل من فعالية أي حصار وتجعل اختراقه أمراً ممكناً.
وعليه ، فإن الحصار البحري بصيغته الحالية ليس أداة حسم، بل أداة ضغط سياسي وإعلامي. كلفته مرتفعة وفعاليته محدودة في ظل تشابك المصالح الدولية، خصوصاً مع وجود قوى كبرى كالصين مستعدة لكسر هذا الحصار عندما يتعارض مع أمنها القومي .




