الخميس - 18 يونيو 2026
منذ شهرين
الخميس - 18 يونيو 2026

فراس علي الهاشمي ||
كاتب وباحث في الشأن السياسي

 

الميدان يفرض شروطه: كيف استعاد حزب الله زمام الردع؟

لم تكن جولة المواجهة الأخيرة مجرد اشتباك عسكري عابر، بل كانت اختباراً لإرادات سياسية انتهت بتثبيت معادلة ميدانية صلبة: وقف إطلاق النار مقابل التزام متبادل. حزب الله، وعبر تصريحات نائب رئيس مجلسه السياسي محمود قماطي، قطع الطريق على أي محاولات لاستنساخ تجربة نوفمبر 2024 المريرة، مؤكداً أن زمن الالتزام الأحادي الجانب قد ولى، وأن أي تراجع إسرائيلي عن التعهدات سيقابله رد فوري.

انكسار “الظلام الأبدي” على صخرة الاستنزاف
بالنظر إلى الوقائع الميدانية، يتضح أن عملية “الظلام الأبدي” التي أطلقتها تل أبيب في الثامن من أبريل—والتي استهدفت تدمير بنية المقاومة بضربة خاطفة شملت 100 موقع—لم تنجح في تحقيق أهدافها الاستراتيجية.

الرد السريع في صبيحة التاسع من أبريل بهجمات صاروخية مكثفة على الشمال الإسرائيلي، بعث برسالة واضحة أن القدرة الصاروخية للمقاومة لم تُمس. ورغم التكلفة البشرية والمادية القاسية التي دفعها لبنان، والتي وثقتها وزارة الصحة بـ 52 شهيداً، إلا أن الثمن السياسي الذي دفعته إسرائيل كان أكبر؛

إذ وجدت نفسها مضطرة للنزول عن شجرة المطالب المرتفعة تحت وطأة استنزاف لم تعد قادرة على تحمّل كلفته الاقتصادية والعسكرية.

وتشير التقارير الدبلوماسية إلى أن واشنطن مارست ضغوطاً خلف الستار لفرملة التصعيد الجنوني على بيروت، وهو ما انعكس في اعترافات النخب السياسية الإسرائيلية، حيث نقلت القناة 12 العبرية حالة “اليأس من الحسم”، والاعتراف بضرورة إنهاء العمليات خلال أيام معدودة.

وحدة الساحات: الانتصار بين بيروت وطهران
لا يمكن قراءة المشهد اللبناني بمعزل عن الحراك الإقليمي. فقد تزامن رضوخ إسرائيل شمالاً مع تبريد الجبهة الإيرانية بوساطة باكستانية، مما أفشل محاولات تل أبيب للاستفراد بلبنان. طهران، من جهتها، أعادت تثبيت “وحدة المصير”، معتبرة أن أي خرق للهدنة في لبنان هو اعتداء مباشر على التفاهمات الإقليمية الكبرى، مما منح المفاوض اللبناني ظهراً سياسياً قوياً.

بناءً على ذلك، استطاع حزب الله انتزاع ثلاثة مكاسب استراتيجية:
تحصين السلاح: فرض وقف إطلاق نار شامل دون المساس بكيانية المقاومة أو سلاحها، الذي ظل خارج أي مقايضة.

التكامل الوطني: تعزيز معادلة “الجيش والشعب والمقاومة”، حيث أدارت الدولة التفاوض السياسي استناداً إلى قوة الردع التي فرضها الميدان.

التدويل الإقليمي للأمن: تحويل أمن بيروت إلى جزء لا يتجزأ من منظومة أمن المحور الممتد من بغداد إلى دمشق وصولاً لطهران.

قواعد اشتباك جديدة: ما بعد 9 أبريل
بينما يحاول المتحدثون باسم الجيش الإسرائيلي تسويق استمرار العمليات “كالمعتاد” للاستهلاك الداخلي، إلا أن الوقائع على الأرض تفيد بفشل تل أبيب في تحقيق أهدافها المعلنة؛ فلا منطقة عازلة وصلت لليطاني، ولا حرية عمل عسكري مُطلقة، ولا نزع لسلاح المقاومة.

إن تاريخ 9 أبريل 2026 يمثل انعطافة كبرى؛ حيث خرج حزب الله بمبادرة سياسية وعسكرية أقوى، مستنداً إلى حاضنة شعبية صلبة رغم الدمار.

لقد انتهى عصر الإملاءات الإسرائيلية بالقوة، وباتت معادلة المنطقة تُرسم اليوم بمداد الصمود الذي ربط ضفاف المتوسط بعمق طهران، في مشهد يؤكد فشل مشروع العدوان المشترك في إعادة صياغة الشرق الأوسط وفق الرؤية الأمريكية-الإسرائيلية.