كلمة سلاح وكلمة جهاد..!
الشيخ محمد الربيعي ||

فإن الكلمة سهلة المخرج على اللسان، غير مأمونة العواقب على الإنسان، ولكنها سلاح ذو حدين، وعلامة مفترق على طريقين. فإن كانت طيبة كانت عظيمة النفع، وإن كانت خبيثة كانت شديدة الضرر .
و قيمة الكلمة في الجهاد (جهاد اللسان والبيان) تعادل جهاد السيف، وتعد من أعلى مراتب الجهاد، حيث تُستخدم لنشر الحق، دحض الباطل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. تُعتبر كلمة الحق عند سلطان جائر أفضل الجهاد، وتشكّل سلاحاً إعلامياً ودعوياً قوياً لإقامة الحجة وإغاظة الأعداء .
محل الشاهد :
في كل معركةٍ يخوضها الحق، لا تبدأ المواجهة في ساحات القتال… بل تبدأ في مكانٍ أكثر خفاءً: في القلب.
هناك، في ذلك الموضع ، يتكوّن الموقف الأول.
القلب المؤمن لا يساوم على الحق، ولا يتصالح مع الباطل، بل يرفضه رفضًا قاطعًا.
ومن هذا الرفض الداخلي تبدأ رحلة الجهاد؛ رحلة لا تنطلق بالسيوف أولاً، بل بالكلمة.
إنّ الجهاد باللسان ليس مجرد تأييدٍ للمجاهدين، ولا يقتصر على الدفاع عنهم أو تجنب اتهامهم واغتيابهم، كما يتصور بعض الناس. فهذه صورة ضيقة لمعنى واسع.
الحقيقة أن الجهاد باللسان هو إعلان الموقف، ورفع الصوت بالحق، وكسر الصمت الذي يحاول الباطل أن يفرضه.
ولهذا كان القرآن الكريم يوجّه النبي ( ص ) بقوله:
“وجاهدهم به جهادًا كبيرًا”.
وقد فسّر كثير من العلماء هذا الجهاد بأنه جهاد بالحجة والبيان والكلمة، لأن الكلمة حين تحمل الحق تصبح قوةً تهزّ الباطل في جذوره.
إن الجهاد حالة نفسية متكاملة، تبدأ في القلب قبل أن تظهر في السلوك. فالقلب المؤمن يرفض الظلم والطغيان، ويكفر بالطاغوت، ثم ينتقل هذا الرفض إلى اللسان فيتحول إلى كلمة حقٍّ تُقال، وموقفٍ واضحٍ يُعلن. ومن اللسان تنتقل هذه الحالة إلى الأركان، فتتحرك الأفعال تبعًا لذلك الموقف.
بهذا المعنى، لا يكون القتال بداية الجهاد، بل آخر مراحله.
أما بدايته الحقيقية فهي تلك اللحظة التي يرفض فيها القلب أن يتصالح مع الظلم.
ولذلك قال رسول الله ( ص ) “أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.”
لماذا كانت الكلمة في هذا الموضع أفضل الجهاد؟
لأن الكلمة الصادقة قد تهزّ عروش الظالمين أكثر مما تفعل السيوف. السيف يواجه الجسد، أما الكلمة فتواجه الفكرة، والفكرة إذا سقطت سقط معها الباطل كله.
ولهذا يخشى الطغاة الكلمة الصادقة.
إنهم قد يحتملون المعارضة ، لكنهم لا يحتملون الصوت الذي يكشفهم.
ومن هنا تظهر خطورة الصمت.
فالصمت في أوقات الصراع ليس حيادًا دائمًا؛ أحيانًا يكون فراغًا يسمح للباطل أن يتكلم وحده. وعندما يحتكر الباطل الصوت، يبدأ بتشويه الحق، وتزييف الوقائع، وصناعة الروايات التي تخدمه.
كم من قضيةٍ عادلة ضاعت لأن أصحابها لم يتكلموا.
وكم من ظلمٍ استمرّ لأن أحدًا لم يقل كلمة الحق في وجهه.
لهذا كان الجهاد باللسان ضرورةً أخلاقية قبل أن يكون واجبًا فكريًا. فالكلمة التي تُقال دفاعًا عن الحق ليست مجرد رأي، بل موقفٌ ومسؤولية
وفي عصرنا، اتسعت ساحات هذا الجهاد أكثر من أي وقتٍ مضى.
فاليوم لم تعد المعارك تُخاض في الميدان وحده، بل في الإعلام، وفي المنابر الفكرية، وفي الفضاء الرقمي الذي يصل إلى ملايين العقول.
في هذا العصر قد تكون الكلمة الواعية دفاعًا عن الحقيقة، وتفنيدًا للأكاذيب، وكشفًا لمحاولات التضليل، وتثبيتًا للمظلومين الذين تحاول الدعاية أن تسحق صوتهم.
إن الكلمة حين تصدر من قلبٍ مؤمنٍ بالحق تتحول إلى قوةٍ هائلة، لأن مصدرها ليس الانفعال العابر، بل الإيمان العميق.
ولهذا كان الجهاد رحلة تبدأ من الداخل:
من قلبٍ يرفض الباطل، إلى لسانٍ يعلن الحق، إلى أفعالٍ تتحرك في سبيله.
فالمجاهد الحقيقي ليس فقط من يحمل السلاح في ساحة القتال، بل أيضًا من يحمل الكلمة الصادقة حين يحاول الباطل أن يفرض الصمت.
فالتاريخ لا يتغير بالسيوف وحدها…
كثيرًا ما يبدأ التغيير بكلمةٍ قالها إنسانٌ لم يقبل أن يسكت.
اللهم احفظ الاسلام واهله
اللهم احفظ العراق وشعبة




