كيف تحولت حرب هرمز إلى مأزق استراتيجي لواشنطن؟!
قاسم الغراوي ||
كاتب وصحافي

عندما دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دول المنطقة والعالم إلى المشاركة في الحرب ضد إيران بحجة حماية الملاحة في مضيق هرمز، لم يكن ذلك مجرد تصريح عابر، بل كان اعترافاً ضمنياً بأن الحرب لم تسر وفق الحسابات التي وضعتها واشنطن في بدايتها.
فالدول الكبرى عادةً لا تطلب من الآخرين الانخراط في حربٍ إذا كانت تملك القدرة على حسمها منفردة لكن عندما يبدأ الحديث عن “مسؤولية دولية لحماية المضيق”، فإن ذلك يكشف أن المواجهة بدأت تتحول من عملية عسكرية محسوبة إلى مأزق استراتيجي مفتوح.
لقد افترضت الإدارة الأمريكية أن الضغط العسكري والتهديد بالقوة قد يدفع إيران إلى التراجع السريع، لكن ما حدث على أرض الواقع كان مختلفاً.
فالتصعيد العسكري في محيط الخليج العربي لم يؤدِّ إلى حسم سريع، بل فتح الباب أمام معادلة أخطر وهو تعطيل طرق الطاقة العالمية.
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم، إذ يمر عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية ولذلك فإن أي اضطراب فيه لا يهدد دولة بعينها، بل يضع الاقتصاد العالمي بأسره أمام صدمة طاقة كبرى ، ومع تصاعد التوتر العسكري، بدأت الأسواق بالفعل تعكس هذا القلق عبر ارتفاع أسعار النفط واتساع المخاوف من انقطاع الإمدادات.
لكن المعضلة الأكبر التي تواجه واشنطن ليست اقتصادية فقط، بل سياسية أيضاً. فالدعوة الأمريكية لدول المنطقة للمشاركة في الحرب تكشف عن تردد واضح لدى الحلفاء وخصوصا دول الخليج، التي يفترض أنها الأكثر استفادة من حماية الملاحة في المضيق، تدرك أن دخولها المباشر في الحرب قد يجعل منشآتها النفطية وموانئها الحيوية أهدافاً مباشرة لأي تصعيد عسكري.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى فالحرب التي كان يُفترض أن تُظهر قوة الردع الأمريكية، بدأت تكشف حدود هذه القوة.
فكلما طال أمد المواجهة دون حسم، ازداد خطر تحولها إلى حرب استنزاف إقليمية تتوسع جغرافياً وتزداد كلفتها سياسياً واقتصادياً.
إن تصريح دونالد ترامب بأن الولايات المتحدة لا تعتمد على نفط المار عبر مضيق هرمز يحمل دلالة أخرى مهمة فهو محاولة لتبرير نقل عبء المواجهة إلى الدول التي تعتمد اقتصاداتها على نفط الخليج. لكن هذا الطرح يكشف في الوقت نفسه أن واشنطن تسعى إلى تدويل كلفة الحرب بعد أن أدركت أن إدارتها منفردة قد تكون أكثر صعوبة مما كان متوقعاً.
في المحصلة، تبدو الحرب في هذه اللحظة عند مفترق طرق خطير فإما أن تتجه نحو تسوية سياسية تقلل من احتمالات الانفجار الكبير، أو تنزلق نحو مواجهة أوسع قد تعيد رسم موازين القوة في المنطقة بأسرها.
أما الحقيقة التي بدأت تتضح تدريجياً فهي أن الحروب في منطقة شديدة التعقيد مثل الشرق الأوسط نادراً ما تبقى محدودة كما يُخطط لها وما بدأ كاستعراض للقوة قد يتحول سريعاً إلى اختبار قاسٍ لحدودها.
وفي هذا السياق تحديداً، قد يكون السؤال الأهم اليوم ؛ ليس من (سيبدأ الحرب بل يستطيع إنهاءها)




