قال تعالى: “قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا..!
✍️ السيد بلال وهبي ـ لبنان ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: “قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ” ﴿آل عمران: 13﴾
لا يشكُّ مؤمن في أن الله تعالى يمدُّ أولياءه بمَدَد غيبي، ويعينهم وهم في سوح القتال، ولكن السؤال الذي يراود أذهاننا جميعًا هو: كيف يتدخل الله في ميدان الحرب إلى جانب أوليائه؟ وهذا ما تجيب عنه هذه الآية الكريمة ناهِيكَ عن آيات أخرى.
وقد أجمع المفسرون على أنَّ الآية الكريمة تتحدَّث عمّا جرى في معركة بدر، وهي المعركة الكبيرة الأولى التي خاضها المسلمون بقيادة رسول الله (ص) وكان عددهم نحو ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً، مقابل المشركين من أهل مكة الذين قارب عددهم الألف.
الآيات القرآنية بيَّنت جانبًا مهمًا من أسباب معركة بدر وملابساتها، ومواقف المسلمين منها، حيث كانت الأكثرية منهم تخشاها، بسبب قِلّة عددهم وعُدَّتهم، بينما قِلَّة قليلة اختارت ملاقاة العدو والدخول في قتال معه،
وهذا ما كان يريده الله تعالى كما جاء في سورة الأنفال حيث قال سبحانه: “وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ﴿7﴾ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ” ﴿الأنفال: 8﴾.
ولقد بيَّنت الآيات كيف تدخَّل الله في معركة بدر، ونوع التأييد الذي أيَّد به رسوله (ص) والمسلمين، وقد كانوا كما قلنا قِلَّة من حيث العدد، ولم يكن مع معظمهم سلاح يقاتلون به أو يدافعون به عن أنفسهم، فكان الجو العام للمعركة يستدعي القلق بسبب ذلك الخلل في الميزان العسكري لصالح المشركين حتى أن رسول الله (ص) الذي كان يرقب المعركة،
وقف رافعًا يديه إلى السماء متضرعًا إلى الله تعالى قائلًا: “اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هذِه العِصَابَةَ مِن أَهْلِ الإسْلَامِ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ”.
هذه الاستغاثة من رسول الله (ص) بالله تعالى حكاها الله في سورة الأنفال فقال: “إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴿9﴾ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿10﴾ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴿11﴾ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴿الأنفال: 12﴾.
فالتدخل الإلهي كان على الشكل التالي: لقد أمَدَّ المسلمين بملائكة متتابعين، زمرٌ تتبعها زُمَر، وكانت مهمتهم تثبيت الذين آمنوا والربط على قلوبهم، وغشّى المسلمين بالنُّعاس لتطمئن قلوبهم، وأنزل المطر لتَثْبُت أقدامهم على الرِّمال، وألقى في قلوب الذين كفروا الرُّعب.
أما الآية التي تصدَّرت هذه المقالة فأشارت إلى نحو آخر من التدخل الإلهي إلى جانب المسلمين في تلك المعركة، حيث تحدَّثت عن الفئتين اللتَين تواجهتا فيها، الفئة الأولى: المسلمون يقاتلون في سبيل الله، والفئة الثانية: الكفار من أهل مكة.
فكان المشركون على كثرتهم يرون المسلمين مِثلَيهم أي أكثر مما هم عليه واقعًا، أي أن عددهم يقارب الألفين، فيدخل الخوف في قلوبهم منهم. وهناك رأي آخر يرى أن المسلمين كانوا يرون الكفار مِثلَيهم أي أن عددهم يقارب الستمئة، رغم أن عدد المشركين واقعيًا ثلاثة أضعاف.
وسواء كان الرأي الأول هو الأصَحّ كما ذهب إليه معظم المفسرين، أم كان الثاني، فإنه يدل على كيفية تدخل الله في الحرب إلى جانب أوليائه ومساندته لهم، وكان هذا من تدبير الله حيث خُيِّل للمشركين أن المسلمين كثرة وهم قلة، فتزلزلت قلوبهم وأقدامهم.
والمهم هنا أن النصر الذي يتحقق يرجع إلى تأييد الله وتدبيره، وفي هذا تخذيل للذين كفروا وتهديد، كما أن فيه تثبيتًا للذين آمنوا، وتهوينًا من شأن أعدائهم فلا يرهبونهم.
سحر يوم الجمعة الواقع في: 13/3/2026 الساعة (04:07)




