قراءة في إخفاق الأهداف الاميركية ومعضلة إنهاء الحرب..!
احمد نعيم الطائي ||

اعتمدت واشنطن خلال العدوان الاميركي الاسرائيلي على ايران في خطابها السياسي على ما يمكن تسميته “استراتيجية الصدمة” ، أي توجيه سلسلة من التهديدات القصوى التي يفترض أن تدفع الخصم إلى الخوف والتراجع السريع المصحوب بالاستسلام غير المشروط.
لكن هذه الفرضية اصطدمت بواقع مختلف عندما يكون الخصم مستعداً لتحويل الصراع إلى معركة استنزاف طويلة، حين تبنّت إيران نهجاً مختلفاً في إدارة الصراع يقوم على ما يُعرف في الدراسات الاستراتيجية “باستراتيجية النَّفَس الطويل”، هذه الاستراتيجية لا تسعى إلى الحسم السريع، بل تعتمد على ، امتصاص الضربة الأولى سياسياً أو اقتصادياً ، وتوزيع أدوات الرد على مراحل زمنية مختلفة ، مع توسيع نطاق الضغط بشكل غير مباشر عبر الحلفاء والبيئة الإقليمية ، وبهذا المعنى، يصبح الزمن نفسه جزءاً من أدوات القوة.
من هنا يصبح الحسم السريع للحرب الذي بُنيت عليه التهديدات السياسية أمراً بالغ الصعوبة ، لان العامل الحاسم غالباً ما يكون مزيجاً من:
• الصبر الاستراتيجي
• القدرة على إدارة الزمن
• استخدام الأدوات السياسية والاقتصادية والإعلامية بالتوازي مع القوة العسكرية.
وهذا ما تفتقر له سياسة ترامب في هذه الحرب العدوانية ضد ايران ، التي اعتمدت على عامل قوة التفوق العسكري والتهديدات الإعلامية ،بالمقابل انتهجت ايران سياسة ، “معركة النفس الطويل”، حيث يصبح الزمن سلاحاً لا يقل تأثيراً عن التفوق العسكري والتكنولوجي ، بعيداً عن ضجيج التهديدات الاعلامية .
اليوم وبعد مرور تسعة أيام على الحرب العدوانية على ايران ، يصاب ترامب بالإحباط الشديد ، نتيجة اندفاعه المفرغ من الرؤية والمعرفة الدقيقة بقدرات قادة ايران على الثبات والصبر والمناورة ، فضلاً عن امتلاكهم مفاتيح إغلاق بوابات شريانية للتجارة العالمية.
لذلك بدأ ترامب يلوح بإلقاء مسؤولية قرار الحرب على عدد من القادة والمستشارين العسكريين في إدارته، في محاولة واضحة للتنصل من تبعاتها السياسية أمام الرأي العام الأميركي. فمع اتساع الفجوة بين الأهداف التي رُفعت في الخطاب السياسي والنتائج المتحققة على الأرض، بات من الصعب تسويق تلك المواجهة بوصفها نجاحاً استراتيجياً.
لاسيما انه رُوّج للحرب بوصفها وسيلة لتحقيق أهداف حاسمة، أبرزها إنهاء القدرات النووية والصاروخية لدى ايران ، اضافة إلى تقليص نفوذها الإقليمي ووقف دعمها للفصائل المتحالفة معها في المنطقة ، غير أن تعقيدات الصراع الإقليمي، وطبيعة المواجهة غير المباشرة، جعلت تلك الأهداف أبعد من أن تُحسم بضربة عسكرية أو حملة ضغط قصيرة الأمد.
من المرجح أن تنتهي هذه الحرب العدوانية قريباً ، عبر تسوية سياسية أو وقفٍ للتصعيد يُقدَّم للرأي العام الأميركي بصيغةٍ تخفف من مستوى السخط المتوقع داخل الولايات المتحدة. فالإدارات السياسية غالباً ما تلجأ إلى إعادة صياغة رواية الحرب عندما تتعذر ترجمة الأهداف المعلنة إلى نتائج واضحة على الأرض.
من المؤكد سيحاول ترامب تقديم أي تهدئة أو تفاهم محتمل ، وتصويره على انه إنجازاً سياسياً أو خطوة لحماية المصالح الأميركية، في محاولة لاحتواء الانتقادات التي قد تواجه إدارته بسبب عدم تحقيق الأهداف التي رُفعت في بداية التصعيد والعدوان على ايران ، لتجنّب الاعتراف المباشر بالإخفاق والهزيمة.




