(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)..!
السيد بلال وهبي ـ لبنان ||

قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴿البقرة: 214﴾
يخطئ من يظن أن دخول الجنة يُنال بالأمنيات، أو بالإيمان القلبي المجرَّد، أو بالدعوات والصلوات وحسب، أو أن يكون الطريق إليها خاليًا من المصاعب والشدائد، بل يمُرُّ عبر سلسلة من الابتلاءات التي تُصقل شخصية الإنسان، وتهذِّب أخلاقه، وتعمِّق إيمانه، وتبلغ به درجة الاصطفاء ليكون من أهل الله وخاصّته، فتلك هي السُّنَّة الجارية في هذا المضمار، والتي تشير إليها الآية المباركة التي بين أيدينا.
الله تعالى يقول لنا: أم ظَنَنْتم أن طريق الجنة خالٍ من المتاعب والمصاعب، ومفروش بالورود والأزاهير كما يقال، أبدًا، فالجَنَّة محفوفة بالمكاره، كما أن النار محفوفة بالشهوات، كما جاء في الحديث النبوي الشريف، ويشهد لذلك ما واجهه رُسُلُ الله وأنبياؤه والصالحون من عباده، من مِحَنٍ وابتلاءات، وما خاضوه من تجارِب مَريرة، وما واجهوه من مصاعب وتحديات، وما أوذوا به من أذى، وما مسَّهم من بأساء وضَرَّاء، وما عانوه من فقر، وجوع، ومرض، حتى بلغ بهم الأمر حدَّ أن يُزَلزَلوا من شِدَّة ما واجههم، وأن يبلغوا الحدَّ الأقصى من الاحتمال، لأن البلاء كان يبلغ معهم غايته القصوى، فكانوا يستعجلون الفرج والنصر من الله تعالى، يسألون: متى نصر الله؟ لا يسألون من شكٍّ بالنصر، ولا من شكٍّ في تحقِّق وعد الله لهم، بل يستعجلون الفرج لشدّة ما بلغ بهم من الكرب.
ما أود قوله هنا هو أن الجَنَّة هي الغاية القصوى للمؤمن، وفي طيِّها تأتي غاياته الدنيوية حيث يرجو أن ينتصر في دنياه، وأن يمكِّن الله له دينه الذي ارتضاه له، وذلك لا يتحقّق له إلا بعد أن يمرَّ بسلسلة طويلة من المصاعب والابتلاءات، وهذا ما تؤسس له الآية الكريمة، حيث تقرر سنة ربانية لا تتبدّل ولا تتحوَّل، ومفادها أن تحقق التمكين للمؤمنين في الدنيا لا يأتيهم بسهولة، بل لا بد أن يعبروا مخاضًا طويلًا من الابتلاءات، وأن يصبروا على الشدائد، ويثبتوا في الأزمات.
إن الله تعالى يربي الجماعة الصالحة بتلك الابتلاءات، ينقِّي إيمانهم من كل شَوب، ويُخلص نواياهم له سبحانه، ويبني شخصياتهم، ويكشف لهم عن معادنهم الأصيلة، ويميِّز بين الراسخ منهم في الإيمان وبين المتردّد، وبين صاحب الهِمّة العالية وبين صاحب الهِمّة الدانية، ويصهرهم ببعضهم حتى يصيروا كالجسد الواحد، لأن الابتلاءات والمُعاناة تؤدي إلى تماسك الجماعة الصالحة، وتعمِّق أواصر العلاقة فيما بينها.
إن طريق الحق صعب، وطريق الجنة التي لا يدخلها إلا أهل الحق صعب كذلك، وهذا ما صرَّح به الإمام أمير المؤمنين (ع) إذ قال: “إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يَحْمِلُهُ إِلَّا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ”، والأكيد أن الإمام (ع) لا يريد أن يقول لنا: أن طريق الإيمان صعب بطبيعته، أبداً، بل لأن الحق لا يقبله كثير من الناس، بل يواجهه أكثرهم، كما أن التغيير مُكلِف بلا شك.
هذا الطريق الصعب ذو مراحل ذكرتها الآية الكريمة، تبدأ من البأساء، والضّرَّاء، والزلزال النفسي، ثم الاستغاثة بالله تعالى وانتظار الفرج، ثم تأتي مرحلة الخروج من الأزمة وتحقق النصر بإذن الله، فالابتلاء لا يناقض قرب النصر، بل غالباً ما يكون مقدمة له، لأن النصر موجود ومتحقق في علم الله، والله تعالى يُنزله في اللحظة المناسبة في علمه.
سحر يوم الإثنين الواقع في: 9/3/2026 الساعة (04:00)




