الأربعاء - 01 يوليو 2026

حين تصبح المياه والنفط أهدافاً للحرب..!

منذ 4 أشهر
الأربعاء - 01 يوليو 2026

طه حسن الأركوازي ||

لم يعد التصعيد العسكري الدائر في الشرق الأوسط محصوراً في نطاق الضربات التقليدية التي تستهدف القواعد العسكرية أو مراكز القيادة ، بل أخذت المواجهة بين إيران من جهة ، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى ، منحى أكثر خطورة وتعقيداً مع أتساع بنك الأهداف ليشمل البُنية التحتية الحيوية للدول ، ومع هذا التحول بدأت الحرب تقترب شيئاً فشيئاً من مفاصل الحياة اليومية للسُكان ، حيث لم تعد المعركة تدور حول تحييد القدرات العسكرية فقط ، بل أمتدت لتُطال مُنشآت الطاقة والمياه ، وهي قطاعات تُمثل الشريان الحيوي لأي مجتمع .

في هذا السياق ، برزت مُؤشرات مُقلقة على دخول المنطقة مرحلة جديدة من الصراع يمكن وصفها بـ”حرب البنى التحتية” ، فخلال التصعيد الأخير ، تعرضت منشآت نفطية ومرافق مرتبطة بالطاقة في إيران لسلسلة من الهجمات التي أستُهدفت تقويض القدرة الاقتصادية للدولة ، وهي أستراتيجية لطالما أعتُبرت من أدوات الضغط الأساسية في الحروب القذرة ، غير أن التطور الأكثر إثارة للقلق تمثل في إدخال منشآت المياه ، بما فيها محطات التحلية ، ضمن دائرة الاستهداف ، وهو ما ينذر بتداعيات إنسانية قد تتجاوز بكثير الآثار الاقتصادية أو العسكرية المباشرة .

إحدى الحلقات التي سلطت الضوء على هذا التحول كانت التقارير التي تحدثت عن أستهداف مُنشآت مُرتبطة بالمياه في جزيرة قشم الواقعة في الخليج وهي جزيرة أستراتيجية تعتمد في جزء كبير من أحتياجاتها على محطات التحلية لتأمين المياه العذبة للسكان ، وعلى الرغم من تضارب المعلومات حول حجم الأضرار الفعلية ، فإن مُجرد طرح هذه المنشآت كأهداف عسكرية يعكس تغيراً نوعياً في قواعد الاشتباك ، فالمياه التي تُعد في الأصل مورداً إنسانياً أساسياً بدأت تتحول إلى ورقة ضغط ضمن حسابات الردع المُتبادل .

خطورة هذا المسار تكمن في أنه قد يفتح الباب أمام ردود مُماثلة من الطرف الآخر ، فإيران التي تمتلك بدورها مجموعة من الأدوات الجيوسياسية والعسكرية في المنطقة ، قد تجد نفسها مُضطرة للرد على الضربات التي تستهدف بُنيتها التحتية عبر أستهداف مُنشآت مُماثلة لدى خصومها أو لدى شركائهم الإقليميين ، وفي منطقة الخليج تحديداً يُمثل هذا السيناريو تهديداً بالغ الحساسية ، لأن دول الخليج تعتمد بدرجة كبيرة على محطات تحلية مياه البحر لتأمين أحتياجاتها الأساسية من المياه العذبة ، فأي خلل في هذه المنظومة قد يؤدي خلال فترة قصيرة إلى أزمة إنسانية واسعة النطاق تمس ملايين السكان .

إلى جانب ملف المياه ، برزت أيضاً أهمية المواقع النفطية الاستراتيجية التي تشكل ركائز أساسية للاقتصاد الإيراني ، وفي مقدمتها جزيرة “خرج” هذه الجزيرة الصغيرة نسبياً في المساحة ، الواقعة في الركن الشمالي الشرقي من الخليج العربي قرب مدينة بوشهر ، تُعد واحدة من أهم نقاط الارتكاز الاقتصادية لإيران ، حتى أن بعض الدراسات الجيوسياسية تصفها بأنها “رقبة إيران” نظراً لدورها المحوري في تصدير النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية .

تحتضن جزيرة خارج مجموعة كبيرة من المنشآت النفطية ومحطات تحميل الخام ، وتعبر من خلالها نسبة كبيرة من صادرات النفط الإيرانية المُتجهة إلى الأسواق الدولية ، ولذلك فإن أي تهديد لهذه الجزيرة لا يقتصر تأثيره على البُنية التحتية النفطية فحسب ، بل يمتد ليطال قُدرة إيران على الاستمرار في تصدير مواردها الأساسية التي يعتمد عليها أقتصادها ، ومن هذا المنطلق يُنظر إلى الجزيرة بأعتبارها هدفاً أستراتيجياً ذا قيمة عالية في أي سيناريو تصعيد عسكري واسع .

كما أن الموقع الجُغرافي للجزيرة يمنحها أهمية إضافية في الحسابات العسكرية ، فهي تقع في منطقة حساسة من الخليج العربي وتحتاج حمايتها إلى ترتيبات دفاعية مُتقدمة ، خصوصاً في حال تطور الصراع إلى مستويات أكثر خطورة مثل سيناريو التدخل البري أو العمليات البحرية الواسعة ، ولهذا السبب تُعد السيطرة على الجزيرة نظرياً إحدى وسائل الضغط الكُبرى على طهران ، لأن الجهة التي تمتلك القدرة على تعطيل عمل منشآتها تستطيع عملياً التأثير في صادرات النفط الإيرانية بدرجة كبيرة .

يكشف الترابط المُتزايد بين أستهداف مُنشآت الطاقة والبنية التحتية للمياه عن تحوّل واضح في طبيعة الحرب الدائرة في المنطقة ، فالمواجهة لم تعُد تقتصر على الضربات العسكرية المُباشرة بين الجيوش ، بل أخذت تتسع لتُطال القطاعات الأكثر حساسية في بُنية الدولة ، تلك التي تمس في الوقت نفسه عصب الاقتصاد ومقومات الحياة المدنية ، ويبدو أن بعض الاستراتيجيات المُتداولة في واشنطن تقوم على مبدأ تعظيم الضغوط على إيران عبر أستهداف مفاصل قوتها الاقتصادية واللوجستية ، في محاولة لإرباك الداخل الإيراني ودفع الرأي العام إلى ممارسة ضغط على قيادته السياسية ، بالتوازي مع السعي لفرض مُعادلة سياسية وأمنية جديدة في المنطقة تُعيد رسم موازين القوى القائمة .

غير أن هذا النهج ، على الرغم من قُدرته على إحداث تأثيرات فورية ، يحمل مخاطر كبيرة على الاستقرار الإقليمي ، فحين تدخل مُنشآت المياه والنفط في دائرة الاستهداف المتبادل يصبح التصعيد أكثر تعقيداً وأصعب أحتواءاً ، إذ إن تعطيل مُنشأة نفطية قد يُربك الأسواق العالمية ، لكن ضرب منشأة مياه قد يدفع المجتمعات إلى مواجهة أزمة إنسانية مُباشرة .؟

وفي خضم هذه التطورات ، لا يمكن إغفال موقع العراق ضمن هذه المعادلة الإقليمية المُتشابكة فالعراق يواجه أصلاً تحديات كبيرة في ملف المياه نتيجة أنخفاض منسوب نهري دجلة والفرات ، وتزايد الضغوط المناخية ، إضافة إلى تعقيدات الإدارة الداخلية للموارد المائية ، ومع أتساع رقُعة التوتر في الخليج ، يصبح العراق أكثر عُرضة لتداعيات غير مُباشرة قد تشمل أضطراب أسواق الطاقة أو تصاعد التوترات الأمنية في المنطقة .

كما أن موقع العراق الجيوسياسي بين بؤر الصراع يجعله جُزءاً من البيئة الاستراتيجية الأوسع التي تتحرك فيها هذه المواجهة ، فكُلما أتسع نطاق الحرب ليشمل البنى التحتية الحيوية ، تزداد أحتمالات أنتقال آثارها إلى دول الجوار ، سواء من خلال الارتدادات الاقتصادية أو الأمنية أو الإنسانية .

ختاماً .. إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط حجم التصعيد العسكري ، بل طبيعة الأهداف التي أصبحت جُزءاً من مُعادلة الحرب ، فحين تتحول المياه والنفط والبُنى التحتية إلى أدوات ضغط في الصراع ، فإن المعركة لم تعُد مُجرد مواجهة بين جيوش ، بل صراع يمس أسس الحياة اليومية للمجتمعات ، وعند هذه النقطة تحديداً يصبح الشرق الأوسط أمام مُفترق طرق حقيقي :

إما العودة إلى مسار التهدئة والحلول السياسية .
أو الانزلاق نحو مرحلة من الحروب المُعقدة التي لا تقتصر آثارها على ساحات القتال ، بل تمتد إلى كُل بيت يعتمد على قطرة ماء أو مصدر طاقة للبقاء ، وفي مثل هذا السيناريو لن يكون الخاسر الأكبر جيشاً بعينه ، بل ملايين المدنيين الذين يجدون أنفسهم فُجأة في قلب صراع يتجاوز قُدرتهم على الاحتمال …!