الأربعاء - 01 يوليو 2026

بين محاميين.. ميزان الأرض وميزان السماء..!

منذ 5 أشهر
الأربعاء - 01 يوليو 2026

الشيخ مازن الولائي ||

الكثير من ‘المهن’ تصلح أن تكون معراجا وبراق للصعود معنويا لمدارج الكمال وتحصيل الرضا، وممكن والعياذ بالله تعالى التكامل في التسافل! ومن واجبت قلمي المتواضع تسليط الضوء على المقدور منها عسى أن تقع بين يدي من لا يرد له كف الضراعة وتقبل تلك الحروف المبعثرة..

في ممر واحد داخل أروقة المحكمة الكبرى، كان المكتبان متقابلين، لكن “الفجوة” بينهما كانت أبعد من المشرق والمغرب.

على الباب الأول لوحة نحاسية أنيقة كُتب عليها “الأستاذ يوسف.. لإصلاح ذات البين”. كان يوسف شاباً تكسو وجهه سكينة غريبة، دخل المحاماة مؤمناً أنها “مهنة الأنبياء” في رد المظالم. لم يكن يفتح ملفاً إلا وكتب في أولى صفحاته: “وما توفيقي إلا بالله”. من أم واب يعشقون العترة المطهرة عليهم السلام، وطالما حلموا بأولاد يقفون مع الأئمة ويسيرون على نهجهم في الأخلاق، ويوسف كانت امه تأخذه معها وهو صغير للمراثي الحسينية (التشابيه).

وعلى الباب المقابل، لوحة مبهجة لكنها خاوية من الروح “مكتب الخبير المحامي رامي”. رامي الذي لم تكن القوانين بالنسبة له إلا ثغرات يتسلل منها، ولم تكن المحاماة إلا “واجهة” اجتماعية ينسج من خلالها علاقات مشبوهة. كان يقضي ليله في السهرات، وهدفه الأول ليس نصرة المظلوم، بل اصطياد القلوب الضعيفة والتباهي بمغامراته النسائية.

مرت السنوات، وأصبح الفرق يرى بالعين المجردة،
يوسف “المحامي الشريف” كان لا يقبل قضية طلاق إلا ويجلس مع الزوجين ساعات للإصلاح، وكثيراً ما تنازل عن أتعابه مقابل أن تعود المياه لمجاريها. وبشكل عجيب، صبت الدنيا عليه خيراتها صباً. أصبح يمتلك عقارات وأرصدة، ليس لأنه يغلي في أسعاره، بل لأن “البركة” حلت في القليل فصار كثيراً، وأصبح كبار التجار يأتمنونه على أموالهم لصدقه يقول: أمير المؤمنين عليه السلام ‘الصدق شارك الناس في أموالها’.

رامي (محامي العلاقات) رغم ذكائه، كان المال يفر من بين يديه كما يفر الرمل. يقبض أتعاباً باهظة من قضايا “تزوير” أو “نصب”، لكنها تذهب في السهرات، والغرامات، والديون المتراكمة. ساءت سمعته، وصار الناس يهمسون “إياكم ورامي، فإنه يخون الأمانة ويتبع النزوات”.

في يوم دخلت امرأة مسنة مكتب رامي تبكي، ظلمها ابنها في ورثها. نظر رامي إلى ثيابها البسيطة فاستصغرها، لكنه عندما رأى ابنتها الشابة التي ترافقها، تغيرت نبرته. لم يكن يهدف لنصرة العجوز، بل بدأ ينسج خيوطه حول الابنة بكلمات معسولة ووعود كاذبة، مماطلاً في القضية لشهور ليضمن استمرار اللقاءات! هذه المهنة التي ستعتبر حجة على صاحبها يوم القيامة.
علم يوسف بالقصة مصادفة، وشاهد العجوز تبكي على باب مكتب رامي وهي تقول: “ضاع حقي وضاع وقتي”. هنا، تدخل يوسف بكياسة الشرفاء. سحب القضية بموافقة السيدة وتولى الدفاع عنها مجاناً. وفي أول جلسة، وبفضل قوة حجته ونزاهته، استرد للمرأة حقها.

يوما أتفق جمع من المحامين على سفرة جماعية مع عوائلهم إلى تركيا حيث المناظر الجميلة والمنتزهات المختلطة وأماكن الترفيه. طلبوا جميعهم من يوسف ذي الكارزمة القوية والشخصية المحبوبة أن يحجز معهم فرد بلطف على الدعوة وقال أعتذر اتفقت وعائلتي أن نذهب إلى مشهد الرضا عليه السلام كما كل عام في مثل هذا الوقت تقريبا..

وبعد فترة صارت الصور تنزل في كروب واتس آب يظم الكثير ولا يخلو من صور ترسل من الجماعة التي اتجهت الى تركيا من صور محرجة وفي بعضها قلة ذوب، لكن صور الحالة لتلفون يوسف تحمل صورا من الرقي والولاء والحجاب والمحافظة على الشريعة في كل تصرف يتصرفه بعكس رامي وجماعته.

بعد أعوام، وقف يوسف في شرفة مكتبه الجديد الفاخر، يرى أبناءه حوله يرفلون في النعيم، والناس في الطرقات يلقون عليه السلام بحب ومهابة.
وفي زاوية مظلمة بباحة المحكمة، كان رامي يجلس وحيداً، مطروداً من نقابة المحامين بسبب فضيحة أخلاقية، يلملم أوراقه المهترئة، بلا مال ولا ولد ولا سمعة. نظر رامي إلى مكتب يوسف وقال بحسرة “كنت أظن أن الشطارة في التلاعب، فإذا بها في التقوى”.

يا معشر المحامين إياكم والغفلة والخروج عن مسار الشرع فقد يكفي تجاوز وأحد يتكفل بأخذك إلى مالا تحمد عقباه!

من اتخذ مهنته وسيلة لنزواته، سقط من عين الله ثم من عين الخلق لأن ليس كسب القضية دائماً، بل إحلال الصلح وإصلاح المجتمع..

٢ شعبان ١٤٤٧هجري.
٢ بهمن ١٤٠٤ش
٢٠٢٦/١/٢٢م

القصة هي أحد أنواع الفن الذي يؤكد عليه القائد الولي الخامنائي المفدى، لما لها من تأثير وسحر آخاذ على روح وقلب الإنسان وهي أحد وأهم أنواع جهاد التبيين..