لماذا تزوجت أمريكا “الإرهاب السني” مجدداً؟!
احمد عبد السادة ||

ما نشهده الآن في سوريا هو عودة “الزواج التقليدي القديم” بين أمريكا والتنظيمات الإرهابية التكفيرية السنية.
هذا الزواج بدأ في ثمانينيات القرن الماضي، حين دعمت ومولت أمريكا، في عهد إدارة رونالد ريغان، جموع المقاتلين التكفيريين في أفغانستان تحت عنوان “مقاومة الاحتلال السوفيتي”، وقد التقى ريغان حينها، في سنة 1985، بزعماء هؤلاء التكفيريين ووصفهم بأنهم “مقاتلون من أجل الحرية” وأنهم “المعادل الموضوعي للآباء المؤسسين في أمريكا”!!
عبر الدعم الأمريكي والمال السعودي المقرون بالفتاوى الوهابية وتجنيد التكفيريين في كل العالم لإرسالهم إلى أفغانستان، تضخم الغول التكفيري في أفغانستان وأنجب “حركة طالبان” و”تنظيم القاعدة” الذي برز منه جناح “الأفغان العرب” الذي يمثل التكفيريين العرب الذين تم تجميعهم من الدول العربية لقتال السوفييت في أفغانستان، والذين أصبحوا لاحقاً حجر الأساس في تأسيس التنظيمات الإرهابية التي تدور في فلك “القاعدة”.
لحظة الطلاق المؤقت بين الزوج الأمريكي والزوجة التكفيرية، حدثت في أحداث 11 سبتمبر 2001، حين فجر تنظيم القاعدة برجي التجارة العالميين في نيويورك، وحينها شعر الأمريكان بأن الوحش التكفيري الذي قاموا بتربيته وتغذيته في كهوف أفغانستان انقلب عليهم في شوارع نيويورك وواشنطن.
في تلك اللحظة الفارقة والصادمة انقلبت أمريكا على استراتيجيتها السابقة، وقادت هذا الانقلاب مجموعة مؤثرة داخل الإدارة الأمريكية أطلقت على نفسها تسمية “المحافظين الجدد”، وأقنعت الرئيس الأمريكي آنذاك جورج دبليو بوش بضرورة تأديب الزوجة القديمة “الإرهاب السني” عبر دعم وتمكين “طائفة مسلمة” رغم أنها تعتبر “أقلية في بحر العالم الإسلامي” ورغم أنها “ثورية مبدئية” و”معادية” لأمريكا وإسرائيل، لكنها “غير تكفيرية” وتؤمن بالتعايش وتسيطر على مواقع جغرافية مهمة في الشرق الأوسط، ومن الممكن التفاهم والتواصل معها وكسبها مقابل امتيازات سياسية، لأنها هي لا غيرها، بإمكانها أن تكون القدم الثقيلة التي ستسحق “الإرهاب السني”.
هذه الطائفة هي “الشيعة”.
في هذه المرحلة، مرحلة الطلاق المؤقت بين أمريكا و”التطرف السني”، تم إسقاط صدام حسين، وبدأ الصعود السياسي لشيعة العراق، وبدأت ملامح “الهلال الشيعي” الممتد من طهران حتى بيروت تتشكل، رغم أن أمريكا كانت تهدف لعزل شيعة العراق عن إيران وعن محيطهم الشيعي “المقاوم”، بل كانت تهدف لتحويل شيعة العراق إلى أعداء لإيران ضمن استراتيجية “الضد النوعي”، لكنها فشلت، لأن ثوابت العقيدة بالنهاية أكبر من حسابات السياسة.
لكن أمريكا، بالنهاية، لم تفعل هذا الأمر من أجل عيون “الشيعة”، ولا من أجل تأديب “الزوجة السنية الإرهابية” فقط، بل أيضاً فعلته من أجل ما أسمته “الشرق الأوسط الجديد” الذي، بنظرها، لا بد أن يمهد الطريق لتطبيع المنطقة “الشامل” مع إسرائيل.
“المسألة الإسرائيلية” هي المسألة التي مثلت بؤرة التوتر ونقطة التصادم ومرتكز التنافر بين أمريكا والشيعة.
أمريكا تصورت أن ثمن “التمكين السياسي” لشيعة العراق سيكون “التطبيع”، وهو تصور يسكن في ذروة الوهم، استناداً لثوابت العقيدة الشيعية التي تعتبر “التطبيع” من أكبر المحرمات والمحظورات.
ما هو الحل إذن؟!
الحل، حسب وجهة النظر الأمريكية، هو الاستعانة مجدداً بالإمكانيات الإرهابية للزوجة السنية السابقة، لكن بشكل غير مباشر، عبر تكليف تركيا وقطر والإخوان المسلمين بدعم التنظيمات الإرهابية مثل “دlعش” و”جبهة النصرة” وأشباههما لإسقاط العراق وسوريا بهدف كسر الهلال الشيعي وقطع الطريق البري لمحور المقاومة الشيعي.
فشل المشروع في العراق بسبب فتوى مرجع الشيعة الأعلى “السيد السيستاني” والدعم الإيراني والحشد الشعبي، ونجح في سوريا بعد 14 سنة من الصراع المرير.
بعد معركة “طوفان الأقصى” التي شهدت التحاماً كاملاً لشيعة المنطقة فيها ضد إسرائيل، حسمت أمريكا قرارها بإعادة “الزوجة السنية الإرهابية”، إلى “بيت الزوجية”، في ظل رغبة هذه الزوجة أصلاً بالعودة إلى “بيت الطاعة الأمريكي” وتنفيذ كل رغبات وطلبات “الزوج الأمريكي”، وبمقدمتها “التطبيع”، وهذا ما يفسر تخلي الأمريكان حتى عن حلفائهم الأكراد في سوريا، لأن هذه “الزوجة السنية الإرهابية” بنسختها المحدثة المتمثلة بالجولاني (دمية أردوغان) هي ليست مستعدة فقط للتطبيع الشامل ومنح الأراضي لإسرائيل بشكل رسمي، بل هي مستعدة كذلك لمحاربة الشيعة الذين يرفضون التطبيع.




