الإمام الكاظم و الإصلاح العقائدي..!
الشيخ محمد الربيعي ||

يمكن ان نجعل مقدمة لمقالتنا لماذا أغفل المؤرخون المسلمون سيرة الإمام وشمائله؟!
القول بأن المعلومات المتوافرة عن سيرة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) وحياته العلمية والاجتماعية والعائلية وعن أدوارهما ونشاطاتهما في تاريخ التشيع بله في التاريخ الإسلامي في القرن الثاني للهجرة وفي المؤلفات التاريخية الإسلامية المنسوبة إلى السلطة العباسية قليلة جدا لا تتناسب مع ما قام به الأئمة الأطهار جميعا، والإمامان الصادق والكاظم (ع) بخاصة ونحن في مقالتنا هذه نسليط الضوء على جانب من هذه الأدوار والفعاليات في هذا المقال المتواضع، وبالنسبة الى دور الإمام الكاظم الذي أمضى ثلاث وثلاثين في إمامة المسلمين وهي مدة أطول بثمانية سنين من إمامة والده الإمام الصادق (ع). وكذلك فإنّها لا تتناسب مع مسيرته التاريخية الطويلة هذه على الرغم من أن الإمام قد عاصر أربعة من العباسيين العتاة الذين ألحقوا به أنواعاً وصنوفاً من الأذى والعذاب والتنكيل في سجونهم المظلمة الظالمة، والذين اغتصبوا حقّ آل البيت الشرعي واستحوذوا شعاراتهم المميزة [كالثأر لآل البيت، والالتزام بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة] خلال ثورتهم على الأمويين. فقد عاصر الإمام الكاظم السنوات العشر الأخيرة من حكم أبي جعفر المنصور [الذي امتد حكمه من سنة 136- 158 هجرية / 754 – 775 م ]وكان هذا الحاكم منذ تسنّمه السلطة من أخيه السفاح واضعا نصب عينيه تحركات الإمام الصادق ومن بعده على تحركات الإمام وخطط على الغدر بالإمام الكاظم وقتله، لاسيما بعد أن وصلته الأخبار بوفاة الإمام الصادق (ع). ثم عاصر السنوات العشر كلّها من حكم ابن أبي جعفر، المهدي، [ الذي حكم من سنة158ـ 169 هجرية / 775 ـ 785م ]. وقد مارس هذا الظالم كأبيه أقسى المعاملات من أجل إيذاء الإمام في سجونه البغيضة، وسعى سعيا حثيثا الى قتله (ع)وألقى القبض عليه وجيء به الى بغداد فوضعه في السجن لأسباب سياسية وهي في حقيقتها تنمّ عن حقد المهدي وبغضه آل البيت وتنم عن مدى غيرته وحسده عندما وصلته الأخبار بوساطة جواسيسه وعملائه المنبثين في مدينة رسول الله (ص) وهي الأخبار التي أخافته كثيرا، مفادها أن الناس في المدينة ومن كلّ الأمصار كانوا خلال أيام الحج يظهرون حبهم وولاءهم للإمام وكانوا يحبونه حبا جما ويتقربون اليه ويتجمعون حوله لما عرف عنه من مكارم الأخلاق الحميدة وكرم السجايا والعلم الوافر والسماحة والجود. فتجسمت تلك السجايا للمهدي ووصلت به أفكاره الخبيثة الى أن الإمام إنّما يهدف الى تأليب قلوب المسلمين ضدّه وذلك بإعلانه ثورة عارمة، هكذا كان يفكر هذا الطاغية، وكل الطواغيت في عالمنا الحديث. ثم عاصر الإمام حكم ابن المهدي، الهادي، الذي حكم من سنة 169ـ170 هجرية / 785 ـ 786م. وقد سعى هذا الحاكم الفاتك المسعى ذاته الذي طلبه المهدي ألا وهو بذل الجهود لتصفية الإمام وقتله، غير أن الله تعالى أبى ذلك وأن يتّخذ الهادي هذا الإجراء إذ قتله الله وأهلكه قبل أن ينفذ مخططه الظالم. ثم عاصر حوالى اثني عشر سنة من حكم قاتل الإمام العاتي هارون الرشيد الذي حكم من سنة 170ـ 193 هجرية / 786ـ 809م. والرشيد هو الذي أمر بقتل الإمام بوساطة يحيى بن خالد البرمكي وبتنفيذ من صاحب الشرطة في بغداد السندي بن شاهك وهو جدّ الشاعر كشاجم.
محل الشاهد :
ان المقصود بالصلاح العقائدي هو بيان الموقف الإصلاحية التي قام بها عليه السلام من أجل تصحيح مسار عقائد المسلمين من بعد ما افسدها أصحاب الأهواء والجهل في المجتمع فانحرفوا عن صراط المستقيم الذي بينه النبي ( ص ) وحث المسلمين بالتمسك به كما في حديث الثقلين المتواتر صدوره والذي تناقلته موسوعات الأحاديث النبوية الشريفة ونحاول ذكر موقفين من تلك المواقف لا لأجل ذكر سيرته عليه السلام بل من أجل الوصول إلى الأهداف الكبيرة من تلك المواقف لتكون للمسلمين دورس يمكنهم الاستفادة منها في واقعهم وحياتهم :
الموقف الاول : الإمام الكاظم عليه السلام مع هارون الرشيد
ان اللإمام كاظم عليه السلام مع الخليفة العباسي هارون مواقف متعدده وقد تطرقت لذكرها جميع المصادر التي كتبت عن سيرته عليه السلام ولكن نحاول ذكر أحدها وهم ما يتعلق بالانحراف العقائدي الذي اصاب بعض المسلمين واستفاد منه هؤلاء الحكام ، بل شجعوا عليهوحاولوا نشره بين الناس للحفظ على سلطانهم ومن ذلك ما جرى بينه عليه السلام وبين هارون حول كون الأئمة هم اولاد رسول الله ( ص ) وذريته وهم أولى به من غيرهم .
قال لي هارون للإمام الكاظم عليه السلام بعد مناظرة : جوزتم للعامة والخاصة ان ينسبوكم الى رسول الله ( ص ) ويقولوا اكم : بابني رسول الله ، وانتم بنو علي ، وإنما ينسب المرء الى أبيه ، وفاطمة إنما وعاء ، والنبي جدكم من امكم .
فقلت : ياأمي المؤمنين لو ان النبي نشر فخطب إليك كريمتك عل كنت تجيبه ؟
قال : سبحان الله ولم لا اجيبه بل افتخر على العرب والعجم وقريش بذلك ؟
فقلت له : لكنه لا يخطب إلي و لا أزوجه
قال ولم ؟
فقلت : لانه ولدني ولم يلدك
فقال : أحسنت ياموسى
ثم قال : كيف قلتم إنا ذرية النبي ولم يعقب الذكر لا الأنثى، وانتم ولد الابنة ولا يكون ولدها عقبا له .
فقلت : أسألك بحق قرابة والقرب ومن فيه ، الا أعفيتني عن هذه المسألة .
فقال : لا أو تخبرني بحجتكم فيه ياولد علي وانت ياموسى يعسوبهم وأمام زمانهم ، كذا انهي الي ولست اعفيك في كل ما أسألك عنه حتى تاتني فيه بحجة من كتاب الله ، وانتم تدعون معشر ولد علي انه لا يسقط عنكم منه شيء والف ولا واو الا تأويله عندكم واحتجبتهم بقوله عزوجل ( ومافرطنا في كتاب من شيء ) واستغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم .
فقلت : تأذن لي في الجواب ؟
قال : هات
فقلت : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ( وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود و سليمان وايوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين ● وزكريا ويحيى وعيسى و إلياس كل من الصالحين ) ومن ابو عيسى يا أمير المؤمنين ؟
فقال : ليس لعيسى اب .
فقلت : انما ألحقنا بذراري الأنبياء عليهم السلام من طريق مريم عليها السلام وكذلك الحقنا بذراري النبي ( ص ) من قبل امنا فاطمة ، أزيدك يامير المؤمنين ؟
قلت : قوله الله عزوجل ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم ونفسنا والنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) ولم يخدع احد انه ادخله النبي ( ص ) تحت كساء عند مباهلة النصارى الا علي بن أبي طالب ( ع ) وفاطمة والحسن و الحسين ابنائنا الحسن و الحسين ، ونسائنا فاطمة ، وانفسنا علي بن أبي طالب ( ع ) …
فقال : أحسنت ياموسى ارفع إليك حوائجك .
فقلت له : ان اول حاجة لي أن تأذن لابن عمك أن يرجع إلى حرم جده والى عياله .
فقال : ننظر أن شاء الله
ان هذا الخبر يؤكد الدور الكبير للإمام( ع ) في اصلاح هذه العقيدة التي أمن بها بعض الجاهلين وتمسك بها حكام وروج لها اتباع السلاطين حيث بينت هذه كلمات زيف تلك دعوات وبطلانها وان الحق واحد لايمكن أن يتعدد واهل البيت هم أهله، تحدى الإمام هارون مع علمه بجبروته وسلطانه ولكن ذلك لم يكن عقبه امام مشروعه الإصلاحي لعقائد الامة وخصوصا تلك التي لها علاقة بتولي أمور المسلمين لما فيها من الدقة في التصرف في شؤون المؤمنين ومايتعلق بهم وبمصيرهم ، وقف الإمام ذلك الموقف ليبين لهم بمنطق القرآن أين يمكن الحق والحقيقة فليس مجرد ادعاء بلا دليل ولا مستند يستند اليه بل بالرجوع في محكم كتاب الله تعالى .
فهذا الموقف من أعظم مواقف في الإصلاح العقائدي قد وجهه للحاكم ومن بعده لوعاظ السلاطين وللامة بل لجميع المسلمين الى يوم القيامة .
الموقف الثاني : الإمام الكاظم ( ع ) مع صفوان الجمال .
لقد حاول الإمام( ع ) أن يتحدث مع جميع الطبقات المجتمع ليهديهم الى صراط المستقيم عن طريق أمثالهم اطاعة الله تعالى وابتعادهم عن معصيته وغضبه ، ونلاحظ ذلك جيدا من خلال كلماته العظيمة التي كان بوجهها الى أصحابه وغيرهم ، فلقد حرام على أصحابه التعاون مع الظالمين بجميع صوره لما هؤلاء الظالمين من الدور الكبير في إفشاء المنكر والمعاصي بين المسلمين وتقويتهم وهذا ما لا يمكن القيام به من قبل المؤمنين لان ذلك من المحرمات التي نهى الله عنها الله تعالى حيث قال تعالى ( ولا تركنوا الى اللذين ظلموا فتمسكم النار ومالكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ) ، اذ ان بعض المؤمنين قد لا يلتفتوا الى ذلك فيكونوا من أعوان الظالمين ومقوية سلطانه ، الا في موارد قد حددتها الشريعة المقدسة ، ومن هذه الكلمات التي ترجمت الدور الاصلاحي للإمام( ع ) في المجتمع حديثه المشهور مع احد أصحابه وهو صفوان الجمال حيث يروي ذلك فيقول: دخلت عليه
فقال : لي يا صفوان كل شيء منك حسن جميل ، خلا شيئا واحدا
قلت : جعلت فداك اي شيء ؟
قال إكراؤك جمالك من هذا رجل _ يعني هارون _
قلت : والله ما أكريته أشرا ولا بطرا ، ولا للصيد ، ولا للهو ، ولكن اكريته لهذا الطريق _ يعني طريق مكة _ ولا أولاه بنفسي ، ولكن أبعث معه غلماني .
قال : ياصفوان أيقع كراؤك عليهم ؟
قلت : نعم جعلت فداك
قال : اتحب بقاءهم حتى يخرج كراك ؟ ، قلت نعم ، قال : فمن احب بقاءهم فهو منهم ومن كان منهم فهو كان ورد النار .
قال صفوان فذهبت وبعت جمالي عن آخرها .
فبلغ ذلك هارون فدعاني ، وقال : ياصفوان بلغني انك بعت جمالك ؟
قلت نعم . ، فقال : ولم ، قلت : انا شيخ وان غلمان لا يفون بالأعمال.
فقال : هيهات اني لاعلم من أشار عليك بهذا موسى بن جعفر .
قلت : مالي ولموسى بن جعفر
فقال : دع هذا عنك ، فوالله لولا حسن صحبتك لقتلتك
وكذلك قوله ( ع ) لزياد بن أبي سلمه : يازياد لئن أسقط من شاهق أتقطع قطعة قطعة أحب الي من أن أتولى لهم عملا أو أطأ بساط رجل منهم .
فهذه كانت رسالته ( ع ) في تحريم التعاون مع هؤلاء الظلمة ونبذ موائدهم وعدم تقرب والتزلف لديهم ، فهذه من أعظم الرسائل التي قدمها الإمام الى مجتمع ذلك الحين والى جميع المسلمين في كل العصور ولقد استجاب الكثير من المؤمنين لهذه الدعوة العظيمة ومن هؤلاء ( صفوان الجمال ) على رغم من كل تلك الظروف الصعبة و الشديدة التي كان يعانيها الإمام موسى بن جعفر عليه السلام من حكام غصره الا ان هذا لم يثن من دوره العظيم في قيادة المجتمع الاسلامي نحو الخير و الصلاح و الصواب والتسديد الموالين الصادقين لشؤونهم الخاصة و العامة ..
فهذه في عقيدتنا التي بينها العلماء استنادا الأمثال تلك المواقف التي اسسها الأئمة عليهم السلام ومنها ماكان موقف الإمام موسى بن جعفر عليه السلام في ذلك وأثره العظيم على اصلاح الامة من بعض العقائد وخصوصا تلك التي لها علاقة بطولاة الظالمين حيث ذكر العلامة المظفر تحت عنوان ( عقيدتنا في التعاون مع الظالمين ) : ( ولا شك أن أعظم مني به الاسلام والمسلمون هو التساهل مع أهل الجور ، والتغاضي عن مساوئهم ، والتعامل معهم فضلا عن ممالأتهم ومناصرتهم وإعانتهم على ظلمهم ، وما جر الويلات على الجامعات الاسلامية الا ذلك الانحراف عن جدد الصواب والحق … لقد جاهدت الأئمة عليهم السلام في أبعاد من يتصل بهم عن التعاون مع الظالمين ، وشددوا على أولياهم في مسايرة أهل الظام والجور و ممالأتهم ) .
اللهم احفظ الاسلام و المسلمين
اللهم احفظ العراق و شعبة




