لويس ساكو… دعوةٌ حقيرة إلى التطبيع في قلب بغداد..!
✍🏼كيان الأسدي ||

من كنيسة مار يوسف، في منتصف بغداد، وفي مناسبةٍ يفترض أن تكون جامعة للسلام الروحي لا بوابةً لتمرير المشاريع المشبوهة، وأثناء احتفالات عيد الميلاد، وبحضور رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، والسيد عمار الحكيم، خرج لويس ساكو ليُطلق دعوةً صريحة للتطبيع، من دون مواربة، ومن غير خجلٍ أو وجل، متجاوزًا كل المحرّمات الوطنية والقانونية، ومردّدًا ذات الخطاب الذي يعلنه نتنياهو بلا رتوش.
وقف ساكو على منبره ليتحدث عن “التلمود” بوصفه كُتب في بابل، في محاولةٍ مكشوفة لربط العراق بالرواية الصهيونية، تلك الرواية التي تحظى باهتمامٍ بالغ لدى التيارات الماسونية والمسيحية الصهيونية، وليخلص بعدها إلى نتيجةٍ أخطر: أن التطبيع يجب أن ينطلق من العراق، لأنه “بلد الأنبياء” و”مهد الديانة الإبراهيمية”. وكأن العراق، بتاريخه، وشعبه، ودماء أبنائه، بات مادةً خامًا لمشاريع الآخرين، أو منصةً لإعادة تدوير السرديات الصهيونية بثوبٍ ديني مزيف.
ولا غرابة، بعد ذلك، أن يتبنى لويس ساكو هذه الأطروحات؛ فزيارة البابا فرنسيس إلى العراق ولقاؤه بالمرجع الأعلى السيد علي السيستاني (دام ظله)، لم تكن – وفق هذه القراءة – حدثًا روحياً محضًا، بل حلقة ضمن مشروعٍ أوسع، مشروعٍ صهيوني تتخفى ملامحه خلف عنوان “الديانة الإبراهيمية”، ويهدف في جوهره إلى التمهيد لإقامة “إسرائيل الكبرى”، ضمن ما يُعرف بمشروع “أبراهام”، الذي يتخذ من حضارة أور في محافظة ذي قار مرتكزًا رمزيًا له.
إن الجرأة التي أُطلقت بها دعوة التطبيع، وعلى هذا النحو العلني، وبحضور أعلى سلطة تنفيذية في البلاد، لم تأتِ من فراغ. فلها سوابق ومجسّات مهّدت الطريق إليها؛ بدءًا من المشاركة في قمة شرم الشيخ التطبيعية، مرورًا بترشيحه دونالد ترامب – راعي أخطر مشاريع التطبيع – لجائزة نوبل للسلام. كل ذلك منحه شعورًا بالأمان والتمادي، ودفعه إلى إخراج قناعاته إلى العلن.
كما أن قراءته لتوجهات بعض القيادات السياسية، وما يطرحه من خطاب “انفتاحي” بلا سقوف واضحة، ولا سيما حديثه الأخير عن حصرية السلاح بيد الدولة، جعله يعتقد أن طرح مشروع كهذا لن يواجه اعتراضًا حاسمًا، وأن المنصة مهيأة، والمستمعون يصغون، حتى وإن كان ما يُقال يمسّ جوهر السيادة والكرامة الوطنية. وهنا لا يعود الأمر رأيًا دينيًا، بل انخراطًا في مشروع سياسي–أمني بالغ الخطورة.
وبموجب القانون العراقي، فإن ما صدر عن لويس ساكو لا يمكن تصنيفه ضمن حرية التعبير أو الخطاب الديني، بل يرقى إلى تبنّي مشروع تطبيعي مع العدو الصهيوني، وهو أمرٌ مجرّم صراحة. وعليه، فإن الواجب القانوني يقتضي إخضاعه للتحقيق، ومساءلته بتهم التعامل والتخابر مع العدو. فالقانون واضح: من يتبنى هكذا مشاريع، فمكانه الطبيعي ليس الكنيسة، بل قفص المساءلة، والسجن.
ومع توجّه بعض النواب إلى إخبار القضاء، لا بد أن يترافق هذا المسار مع استنكارٍ شعبي واسع، يعبّر عن الرفض القاطع لما يقوم به بعض المتصهينين من محاولاتٍ لجرّ العراق إلى عربة التطبيع، تلك العربة التي يضغط ترامب ومن خلفه المشروع الأمريكي–الصهيوني لإركاب العراق فيها، قسرًا حينًا، وبالترغيب والترهيب حينًا آخر.
إن العراق لن يكون بلدًا مطبّعًا، حتى لو ارتضى بذلك بعض من يدّعي الانتماء إليه. ولن يغيّر من هذه الحقيقة قبول طرفٍ ورفض آخر، أو محاولة استنساخ التجربة السورية بنسخة “هادئة” و”سلمية”. فالأغلبية من العراقيين ترى أن التطبيع جريمة، وأنه عارٌ لا يُغتفر، وأن الوقوف بوجهه واجبٌ شرعي ووطني، وأن الشهادة في سبيل منعه هي من أوجب الواجبات، حتى لو تبناه من يعتمر عمامة رسول الله.




