الخميس - 18 يونيو 2026
منذ 6 أشهر
الخميس - 18 يونيو 2026

اكرم كامل الخفاجي ||

الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .

لك يا سيدي بين أضلعي حباً لو وزعته على أهل ملتي لوسعهم .. وهذا الحب هو نبضٌ مرتبطٌ بمعنى السعادة في الدنيا والآخرة .. فهل يستوعب ذلك الحب كلماتي هذه لبيان شعاع فريد من نور شخصيتك العظيمة ؟ .. لا أعتقد ذلك جازماً ، لأن الحروف الأبجدية بكل عنفوانها لا تستطيع أن تستصحب ذلك النور حتى ولو جادت كل المعارف بها .

ولد الإمام العاشر من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في قرية بصريا – التي أسّسها الإمام موسى بن جعفر (ع) على بُعد ثلاثة أميال من المدينة – في سنة 212 هـ .

وقد بشر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بولادة الإمام الهادي (ع) بقوله : (… وأن الله تعالى ركب في صلبه نطفة لا باغية ولا طاغية ، بارة مباركة ، طيبة طاهرة ، سقاها عنده علي بن محمد ، فألبسها السكينة والوقار ، وأودعها العلوم وكل سرٍ مكتوم ، من لقيه وفي صدره شيء أنبأه به وحذّره من عدوه …).

أمه أم ولد يقال لها : سُمانة المغربيّة .
روى محمّد بن الفرج بن إبراهيم بن عبد الله بن جعفر ، قال : دعاني أبو جعفر الجواد (ع) فأعلمني أنّ قافلة قد قدمت ، وفيها نخّاس ، معه جوارٍ ، ودفع إليَّ سبعين ديناراً ، وأمرني بإبتياع جارية وصفها لي . فمضيت وعملتُ بما أمرني به ، فكانت تلك الجارية أم أبي الحسن (ع) .

تولى منصب الإمامة بعد شهادة أبيه الجواد (ع) وكان عمره ثمان سنوات ، وكان ذلك في سنة (٢٢٠ هـ) ، ودامت أكثر من ثلاثاً وثلاثين سنة .

فقد قال الصقر بن دُلف : سمعت أبا جعفر الجواد (ع) يقول : «إنَّ الإمام بعدي ابني علي ، أمره أمري ، وقوله قولي ، وطاعته طاعتي ، والإمامة بعده في ابنه الحسن» .

عاصر الإمام الهادي (ع) ستة من ملوك بني العباس وهم المعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز ، وله مع كل واحد منهم قضايا لا يتسع المقام لذكرها .

زوجته : ذكر الشيخ عباس القمي في الأنوار البهية أن أم الإمام الحسن العسكري (ع) هي حديث أو سليل ، ويقال لها الجدة ، وكانت من العارفات الصالحات ، وكفى في فضلها أنها كانت مفزع الشيعة بعد وفاة أبي محمد (ع) .

قال محمّد بن الحسن الأشتر العلوي : «كنت مع أبي على باب المتوكّل في جمعٍ من الناس ما بين طالبي إلى عبّاسي وجعفري ، فتحالفوا لا نترجّل لهذا الغلام ، فما هو بأشرفنا ولا بأكبرنا ـ يعنون أبا الحسن (ع) ـ فما هو إلّا أن أقبل وبصروا حتّى ترجّل له الناس كلّهم ، فقال لهم أبو هاشم : أليس زعمتم أنّكم لا تترجّلون له ؟ فقالوا له : والله ما ملكنا أنفسنا حتّى ترجّلنا» .

مارس الإمام الهادي (ع) مهامّه القيادية في حكم المعتصم سنة (۲۲۰ ه‍ ) واستشهد في حكم المعتزّ سنة ( ۲٥٤ ه‍ ) .

ويعتبر عهد المتوكل العباسي بدء العصر العباسي الثاني وهو عصر نفوذ الأتراك ( ۲۳۲ ـ ۳۳٤ ه‍ ) واعتبره البعض بدء عصر انحلال الدولة العباسية ، الذي انتهى بسقوطها على أيدي التتار سنة ( ٦٥٦ ه‍ ) .

وقد انتهج المتوكل سياسة العنف تجاه العلويين وشيعة أهل البيت (عليهم السلام) فضلاً عن أهل البيت (عليهم السلام) أنفسهم وتجلّى ذلك بوضوح في أمره بهدم قبر الإمام الحسين بن علي (ع) وما حوله من الدور بل أمر بحرثه وبذره وسقي موضع القبر ومنع الناس من زيارته وتوعّد بالسجن على من زاره .
وقد أثار المتوكل بهذه السياسة حفيظة المسلمين بشكل عام ، وأهل بغداد بشكل خاصّ وقد ردوا على الإهانات التي ألحقها بالعلويين فسبّوه في المساجد والطرقات .

إن حرمان أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم من الوضع المعيشي اللائق بهم إنّما كان باعتبار قلقهم من توظيف المال للإطاحة بملكهم . ومن هنا كانت سياسة التقشف بالنسبة لهم سياسة عامة قد سار عليها عامة ملوك بني العباس ، وهم أعرف بالمكانة الاجتماعية لأهل البيت (عليهم السلام) في قلوب المؤمنين.

وكان الحرمان يمتدّ الى إخراجهم من الوظائف الحكومية إن عثروا على مُوالٍ لأهل البيت (عليهم السلام) كان قد حظي بوظيفة حكومية ، بل تعدّى ذلك الى تحديد أملاكهم وغلمانهم حتى بان الفقر والحرمان على كثير من العلويين في هذ العصر .

يقول السيد الشهيد محمد باقر الصدر [طاب ثراه] في كتابه (أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف) :
(نجد تصوّراً شائعاً لدى كثيرين من الناس ، الذين احتاجوا إلى أنْ يقيّموا الأئمّة بوصفهم أُناساً مظلومين فقط قد أُقصوا عن مركز القيادة ، وذاقوا بسبب ذلك ألوان الاضطهاد والحرمان . فهؤلاء الناس يعتقدون أنّ دور الأئمّة في حياتهم كان دوراً سلبياً على الأغلب ، نتيجة لإِقصائهم عن مجال الحكم ، فحالهم حال من يملك داراً فتُغصَب منه ، وينحصر أمله في إمكان استرجاعها . وهذا التفكير بالرغم من أنّه خاطئ ، فإنّه يُعتبر خطأً من الناحية العمليّة ، ويحبّب إلى الإنسان السلبيّة والانكماش والابتعاد عن مشاكل الأُمّة ومجالات قيادتها .
إنّ الأئمّة (عليهم السلام) بالرغم من إقصائهم عن مجال الحكم ، كانوا يتحمّلون باستمرار مسؤوليّتهم والحفاظ على الرّسالة وعلى التجربة الإسلاميّة وتحصينها ضدّ التردّي إلى الهاوية ، هاوية الانحراف والانزلاق عن مبادئها وقيمها) .

ولهذا لم يبخلوا على الناس في أمر من أمور الدنيا ولا في أمر من أمور الآخرة ، فكما يعلّمون الناس ما يقرّبهم لله ويرفع درجتهم عنده وفيه سعادة الآخرة ، كذلك يسعون لإسعاد الإنسان في الدنيا ويدفعون عنه أذاها بما يصلحه ، وهذا من كرم نفوسهم ، ممّا أطمع الناس في الوقوف على أبوابهم (عليهم السلام) .

كان الإمام الهادي (ع) المعتقل في حامية عسكرية تحت أنظار العسكر وجواسيس القصر ، يمارس دوره القيادي بكل دقّة ونجاح ، فهو لم يجلس حبيس الدار ، يقرأ القرآن الكريم وينشغل بتدوين أحاديث آبائه المعصومين ، بذريعة عدم استفزاز السلطة الحاكمة وإعطائها الحجة لاتهامه ومهاجمته ، بل كان يتواصل مع اتباعه الشيعة القادمين الى سامراء من قم والري ومصر والكوفة والحجاز .

ولأول مرة شهدت الأمة قطيعة بين الجيش الإسلامي والمجتمع في عهد الامام الهادي (ع) ، والذي واكب بدايةً عهد المعتصم العباسي ذو الميول التركية من جهة أمه ، وقد حفلت كتب التاريخ بشواهد عن تحول قوة الدولة من “الخليفة” ، او القائد السياسي ، الى القائد العسكري ، فقد كان أخوال هذا الحاكم العباسي من التُرك كون أمه كانت من الإماء التركيات، فكانت سبباً في تحولات كبرى في التاريخ الإسلامي حيث جعلت مركز القرار في الدول الإسلامية بيد القادة العسكريين التُرك ، وحسب المصادر فان البداية كانت في عشرين ألف عسكري تركي بالعاصمة بغداد يعيثون فساداً واجراماً بحق سكان المدينة حتى ضاق الناس بهم ذرعاً، فبدأت تنتشر أعمال الاغتيال لافرادهم وقادتهم ، وتشاهد جثثهم تلقى هنا وهناك كرد فعل جماهيري ، مما أجبر المعتصم على إنشاء حامية عسكرية خاصة بهم شمال بغداد أسماها “سر من رأى” ومن ثم تحولت الى مدينة فيما بعد باسم (سامراء) .

وأهم صفة للقائد الناجح يجسدها لنا الامام الهادي (ع) شدّة حرصه على حياة اتباعه من بطش السلطة ومكائد الأعداء ، فذات يوم جاء الوشاة – كعادتهم – الى المتوكل بالقول : أنت جالس في قصرك والأموال تحمل الى علي بن محمد ! ستأتي قافلة من قم ومعها أموال إليه ، فطلب المتوكل وزيره الفتح بن خاقان الذي كان شديد الثقة به والاعتماد عليه ، بأن ينطلق بقوة عسكرية لقطع الطريق على القافلة ، بيد أن الخبر وصل الى الامام قبل ان تنطلق القافلة ، بأن “ارجعوا فليس هذا وقت الوصول فرجعنا” .

يقول أحد الرواة من مدينة قم ، واحرزنا ما كان عندنا ، – أي خبأناه – فجاءنا أمره (ع) بعد أيام ان قد انفذنا اليكم إبلاً عِيراً فاحملوا عليها ما عندكم ، وخلّوا سبيلها . قال : فحملناها وأودعناها الله فلما كان من قابل ، قدمنا على الامام الهادي (ع) فقال : انظروا الى ما حملتم الينا ، فنظرنا فاذا المنايح كما هي”.

وهذا يؤكد لنا اهتمام الامام الهادي بأرواح ومصائر الناس قبل اهتمامه بالحقوق الشرعية والأموال مهما كانت الحاجة اليها .

كتب قيصر الروم كتاباً الى خلفاء بني العباس وجاء فيه : جاء في كتب الانجيل أنه من قرأ سورة خالية من سبعة احرف , حرم الله جسده من نار جهنم وهذه الاحرف عبارة عن : (ث ، ج ، خ ، ز ، ش ، ظ ، ف) وفحصنا كثيراً فلم نعثر على هكذا سورة في كتب التوراة والانجيل ، فهل يوجد في كتابكم السماوي تلك السورة ؟ .

فجمع الخليفة العباسي جميع العلماء وعرض عليهم السؤال فعجزوا عن الجواب واخيراً طرحوا هذا السؤال على الامام الهادي (ع) فأجاب قائلاً : هذه السورة هي سورة (الحمد) التي تكون خالية من الاحرف السبعة . فسألوا الامام : ما فلسفة خلو هذه السورة من الاحرف السبعة ؟

فأجاب (ع) : ان حرف (ث) اشارة الى الثبور .. وحرف (ج) اشارة الى الجحيم .. وحرف (خ) اشارة الى الخبث .. وحرف (ز) اشارة الى الزقوم .. وحرف (ش) اشارة الى الشقاوة .. وحرف (ظ) اشارة الى الظلمة .. وحرف (ف) اشارة الى الآفة .

وقال الحسين بن عليّ : إنّه أتى الامام الهادي (ع) رجل خائف وهو يرتعد ويقول : إنّ ابني أخذ بمحبّتكم ، والليلة يرمونه من موضع كذا ويدفنونه تحته ! .

قال : فما تريد ؟
قال : ما يريد الأبوان .
فقال : لا بأس عليه ، اذهب فإنّ ابنك يأتيك غداً .
فلمّا أصبح أتاه ابنه ، فقال : يا بنيّ ما شأنك ؟
قال : لمّا حفروا القبر وشدّوا لي الأيدي ، أتاني عشرة أنفسٍ مطهرة معطّرة وسألوا عن بكائي ، فذكرت لهم :
فقالوا : لو جعل الطالب مطلوباً ؛ تجرّد نفسك وتخرج وتلزم تربة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ؟
قلت : نعم .
فأخذوا الحاجب فرموه من شاهق الجبل ولم يسمع أحد جزعه ولا رأوا الرّجال ! . وأوردوني إليك وهم ينتظرون خروجي إليهم . وودّع أباه وذهب .

فجاء أبوه إلى الإمام وأخبره بحاله ، فكان الغوغاء تذهب وتقول : وقع كذا وكذا والإمام (ع) يبتسم ويقول : إنّهم لا يعلمون ما نعلم ! .

وارسل احد اصحابه برسالة الى الامام (ع) طالباً منه أنْ يعلمه دعاء ، فكتب له الامام (ع) هذا الدعاء (يا اسمع السامعين ، ويا ابصر المبصرين ، ويا انظر الناظرين ، ويا اسرع الحاسبين ويا ارحم الراحمين ، ويا أحكم الحاكمين صلِّ على محمد وآل محمد ، وآوسع لي في رزقي ، ومُدَّ لي في عمري ، وامنُنْ عليَّ برحمتك ، واجعلني ممن تنتصر به لدينك ولا تستبدل بي غيري) .

قالَ الامام الهادي (ع) : ياْتي عَلماءُ شيعَتِنا الْقَوّامُونَ بِضُعَفاءِ مُحِبّينا وَأهْلِ وِلايتِنا يوْمَ الْقِيامَةِ ، وَالاْنْوارُ تَسْطَعُ مِنْ تيجانِهِمْ .

وربما من بركات هذا الامام العظيم هو زيارة الجامعة الكبيرة التي يزار بها جميع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) .. وهي زيارة عظيمة القدر ، عالية المضامين ، مشتملة على بيان مقامات الأئمة المعصومين (عليهم السلام) ، مبينة لصفاتهم ومناقبهم وفضلهم .. وهي موجودة في كتب الادعية .

اللَّهُمَّ إِنِّي لَوْ وَجَدْتُ شُفَعَاءَ أَقْرَبَ إِلَيْكَ مِنْ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ الْأَخْيَارِ الْأَئِمَّةِ الْأَبْرَارِ لَجَعَلْتُهُمْ شُفَعَائِي فَبِحَقِّهِمُ الَّذِي أَوْجَبْتَ لَهُمْ عَلَيْكَ أَسْأَلُكَ أَنْ تُدْخِلَنِي فِي جُمْلَةِ الْعَارِفِينَ بِهِمْ وَبِحَقِّهِمْ وَفِي زُمْرَةِ الْمَرْحُومِينَ بِشَفَاعَتِهِمْ إِنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً .