الأربعاء - 01 يوليو 2026
منذ 6 أشهر
الأربعاء - 01 يوليو 2026

طه حسن الأركوازي ||

في كُل النظم السياسية لا تُقاس جدية الخطاب العام بما يُقال في المؤتمرات واللقاءات أو المنابر ، بل بما يَصمد منه عند أول أختبار واقعي ، فالسياسة بوصفها مُمارسة لا تنظيراً ، تكشف حقيقتها حين تنتقل من مرحلة التعهد إلى مرحلة التنفيذ ، هذا الفارق بين القول والفعل لم يعد مسألة أخلاقية مُجردة ، بل مُؤشراً رئيسياً تعتمد عليه مراكز الدراسات الدولية في تقييم أستقرار الدول ، وقدرتها على الحكم الرشيد ، وأستدامة الثقة بين السلطة والمجتمع .

تشير تقارير “البنك الدولي” و “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي” إلى أن الدول الخارجة من النزاعات أو التحولات الحادة ومنها “العراق”، تواجه تحدياً مُركباً يتمثل في “فجوة الالتزام السياسي” ، وهي المسافة الفاصلة بين البرامج المُعلنة والسياسات المُنفذة فعلياً ، هذه الفجوة لا تنشأ غالباً من سوء النوايا بقدر ما تنبع من بيئة سياسية معقدة ، تتداخل فيها المصالح الحزبية ، وتعدد مراكز القرار ، وضعف الأطر الملزمة للمتابعة والمحاسبة .

المدرسة الواقعية في الفكر السياسي التي أرتبط أسمها تاريخياً “بميكافيلي” ، فسّرت هذا السلوك بأعتباره أنعكاساً لطبيعة الصراع على السلطة ، غير أن القراءة المعاصرة لهذه المدرسة كما تطرحها دراسات حديثة في معهد “تشاتام هاوس” و”مركز كارنيغي” ، لم تعد تبرر الانفصال الكامل بين السياسة والأخلاق ، بل تميز بوضوح بين “البراغماتية المُنضبطة” و”البراغماتية الانتهازية” ، الأولى تعترف بحدود المُمكن لكنها تُحافظ على خُطوط التزام واضحة .

فيما الثانية تُفرغ العملية السياسية من مضمونها وتحولها إلى إدارة مُؤقتة للأزمات .

في السياق العراقي تكشف مؤشرات الحوكمة العالمية أن التحدي لا يكمن فقط في حجم الوعود أو طبيعتها ، بل في غياب آليات قياس الأداء السياسي ، فالكثير من التعهدات تُطرح بصيغة عامة دون مُؤشرات زمنية أو مالية أو تشريعية واضحة ،

ما يجعل التراجع عنها أمراً قابلاً للتبرير لا للمُساءلة ، هذا النمط كما تؤكد تقارير مُنظمة الشفافية الدولية يُضعف ثقة المواطن تدريجياً ويدفعه إلى النظر للعملية السياسية بوصفها دائرة مُغلقة لا تؤدي إلى تغيير ملموس .

تجارب دول أخرى مرت بمراحل أنتقالية مُشابهة تُظهر أن معالجة هذه الإشكالية لا تتم عبر الخطاب التصحيحي وحده ، ففي “تشيلي” ، بعد مرحلة الحكم العسكري جرى ربط البرامج الحكومية بعقود أداء مُعلنة ، تخضع لتقييم سنوي أمام البرلمان والرأي العام.

وفي “جورجيا” ، بعد إصلاحات ما بعد 2004 ، تم تقليص مساحة الوعود العامة ، لصالح التزامات محددة قابلة للمتابعة ، ما ساهم في رفع مؤشر الثقة بالمؤسسات خلال سنوات قليلة ، وفق تقارير البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية .

التحقيق في سلوك النُخب السياسية وفق المنهج الاستقصائي ، يقود إلى نتيجة واضحة مفادها أن غياب الكلفة السياسية للتراجع عن الالتزامات هو العامل الحاسم في تكرار الظاهرة ، فحين لا يرتبط الفشل في التنفيذ بخسارة أنتخابية ، أو مساءلة برلمانية فعلية ، أو ضغط مجتمعي مُنظم ، يصبح نقض الوعد جزءاً من ديناميكية النظام لا أستثناءاً فيه ، هذا ما تسميه بعض الدراسات بـ”تطبيع الإخفاق”، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول الساعية إلى الاستقرار .

ومن هنا ، فإن النصيحة السياسية المهنية للطبقة الحاكمة في العراق لا تقوم على جلد الذات ولا على المزايدة الخطابية ، بل على إعادة تعريف الواقعية السياسية نفسها .

الواقعية اليوم لا تعني الهروب من الالتزام ، بل إدارة التوقعات بصدق ، والإفصاح عن القيود الحقيقية التي تعيق التنفيذ ، قبل أن تتحول الوعود إلى عبء سياسي وأخلاقي ، فالمواطن ، كما تشير دراسات الرأي العام الصادرة عن مركز الباروميتر العربي ، لم يعد يُطالب بالحلول السحرية ، بقدر ما يطالب بالوضوح والاتساق .

أخيراً وليس آخراً .. إن بناء رأس المال السياسي المستدام لا يتحقق عبر المناورة قصيرة الأمد ، بل عبر تراكم الثقة ولو ببطء ، العراق يمتلك اليوم فرصة لإعادة ضبط العلاقة بين السياسة والمجتمع ليس عبر تغيير الأشخاص فحسب ، بل عبر تغيير نمط السلوك السياسي نفسه ، وهذا يتطلب شجاعة في الاعتراف ، وأنضباطاً في الالتزام ، وإرادة حقيقية لنقل السياسة من إدارة الوعود إلى إدارة النتائج وهي الخطوة الفاصلة بين دولة تُدار بالأزمات ، ودولة تُبنى على الوقائع …!