الجمعة - 14 اغسطس 2026

مشروع العائلة الواحدة.. مسمار امريكي في أضلاعنا..!

منذ 8 أشهر
الجمعة - 14 اغسطس 2026

محمد النامس ||

في سبتمبر 2023، في قمة الدول الأكبر تأثيرًا بالسياسة والاقتصاد، أو ما تعرف بقمة العشرين، وتحت شعار عائلة واحدة، تم الإعلان عن طريق تجاري يربط الهند بالشرق الأوسط وأوروبا، وهو مشروع حيوي وطموح يربط جنوب العالم بشماله عبر جسر مائي وبري.

هذا المشروع الاستراتيجي استثمار طويل المدى سوف يغير موازين القوى، لأنه يتضمن منظومة كاملة من النقل البحري وسكك الحديد والبنى التحتية القوية لتدفق التجارة والطاقة من خلال هذا الممر. هذا ما قاله الرئيس الأمريكي جو بايدن في وقتها، وكأنه إعلان لمواجهة مبادرة الحزام والطريق الصينية، أو ما يعرف بطريق الحرير. وهذا ما أكدته بوضوح رئيسة المفوضية الأوروبية آنذاك أورسولا فون دير لاين، أن مشروع الممر الآسيوي الأوروبي «ليس مجرد طريق لنقل الكابلات والمواد»، بل استثمار طويل الأمد.

كلماتها هذه عكست حجم الرهانات الجيوسياسية الكامنة خلف مشروع الممر الاقتصادي الواصل بين الهند وأوروبا مرورًا بالشرق الأوسط.

المشروع الذي وُقِّع بمشاركة الولايات المتحدة، الإمارات، السعودية، إسرائيل، الاتحاد الأوروبي، فرنسا، ألمانيا، وإيطاليا، لا يقتصر على البنية التحتية التقليدية، بل يشمل ربط الموانئ البحرية، وإنشاء خطوط لنقل الكهرباء والهيدروجين النظيف، ومدّ كابلات لنقل البيانات، وتطوير شبكات نقل متكاملة برية وبحرية.

وبذلك، يفتح الممر صفحة جديدة في التكامل بين أوروبا وآسيا، في وقت تسعى فيه واشنطن لتقديم بديل استراتيجي لمشروع الصين الضخم “الحزام والطريق”.

هذا المشروع العملاق هو استعراض للقوة والجبروت، لتدفق مئات المليارات من الدولارات لإنشاء بنية تحتية جديدة وخطوط سكك حديدية وموانئ وشوارع وجسور وأنفاق في 65 دولة. إنه مشروع لم يشهد العالم مثيلًا له. إنها رؤية قوية، وتأثيرها سيشمل الكثير، وهي تمثل فرصة بالنسبة إلى البعض ومعاناة بالنسبة إلى آخرين. طريق الحرير الجديد شهادة على إحياء طموحات الصين على الساحة العالمية قد تغير النظام العالمي من جذوره.

إن مبادرة الحزام والطريق الصينية تتكون من جزأين: جزء بري يتكون من شبكات السكك الحديدية والطرق والأنابيب التي تربط الصين بالأسواق الأوروبية والآسيوية الداخلية، ويمر عبر أوراسيا ويشمل كازاخستان وروسيا وأوزبكستان وإيران وتركيا إلى بلغاريا وصولًا إلى أوروبا، وجزء بحري يركز على الموانئ والقواعد البحرية الاستراتيجية في باكستان وسريلانكا وكينيا واليونان. بهذا الربط البحري والبري يراد لمبادرة الحزام والطريق أن تكون شبكة عالمية من الأسواق المضمونة للصين بتنوع قطاعاتها الصناعية والتكنولوجية والزراعية وحتى العسكرية. وهذا ما يخاف منه الغرب من تمدد الصين العسكري في المحيط الهادئ والمحيط الأطلسي.

لكن الرئيس الصيني شي جين بينغ دائمًا ما كان يطمئن حلفاءه وأصدقاءه والمجتمع الدولي برمته أن مبادرة الحزام والطريق هي طريق للسلام وبناء جسور بين الشعوب والثقافات قبل أن تكون طريقًا اقتصاديًا وتجاريًا، وأن الطريق سيجعل العالم أكثر ازدهارًا، وسيعجّل النمو العالمي، ويسهّل التجارة من خلال ربط سكك الحديد وتطوير البنى التحتية وتعزيز الذكاء الاصطناعي.

هذان الخطان المتعرجان لا يلتقيان في الأماكن والمسارات، بل في النفوذ والهيمنة. وإن انتشار المعسكر الغربي وتمدده بالقرب من الصين ما هو إلا رسائل أمريكية في تثبيت القطبية الواحدة. لذا يرى المراقبين أن الصين أرادت تعطيل هذا الممر الاقتصادي من خلال حلفائها في الشرق الأوسط.

وإن ما جرى في 7 أكتوبر، في الهجوم الذي شنته حماس على إسرائيل وأدى إلى مجزرة بحق المدنيين بقتل 1700 شخص وأسر 251، هو الأعنف والأكبر على اليهود منذ محرقة الهولوكوست في ألمانيا التي نفذها الجيش الألماني بقيادة أدولف هتلر. خلال هذه المجزرة التي حدثت خلال الحرب العالمية الثانية قُتل حوالي 6 ملايين يهودي.

يرى الصينيون أن الممر الاقتصادي ليس مجرد مشروع عابر، بل هو خنجر مسموم موجه إلى قلب طريق الحرير، يهدد بكسر العمود الفقري للمبادرة الصينية التي ضخت فيها بكين سنوات طويلة ومليارات ضخمة لتفرض حضورها على مسرح التجارة العالمية. هذا الممر الجديد ليس بريئًا، بل جدار عازل يراد له أن يحاصر نفوذ الصين، ويقلم أظافرها في الشرق الأوسط وأفريقيا، ويجردها من أوراق الضغط التي بنتها عبر موانئها وممراتها البحرية.

إن خطورته تكمن في أنه لا يسعى فقط إلى المنافسة، بل إلى إقصاء طريق الحرير من موقعه كجسر استراتيجي بين الشرق والغرب، ليحوله إلى ممر قديم يتجاوزه الزمن. كل خطوة يخطوها هذا المشروع تمثل طعنة في جسد الصين، وسحبًا للبساط من تحت أقدامها التي اعتقدت أنها نجحت في ربط العالم بخيوطها. نجاحه يعني تقليص حاجة العالم إلى الصين، وإعادة تشكيل طرق التجارة لتكون بيد خصومها، فتتحول مبادرة الحزام والطريق من حلم عالمي إلى ذكرى باهتة.

إن الممر الاقتصادي لا يعلن عن نفسه كمجرد بديل، بل كحرب باردة جديدة تُخاض بلغة الطرق والموانئ والأنابيب، حرب هدفها خنق الصين في عقر دارها وإغلاق الأبواب في وجهها قبل أن تطرقها. لذا فإن هجوم حماس وتوقيته يشير إلى رسالة واضحة لأطراف الممر الاقتصادي: إنه لن يكون طريقًا مؤمنًا ومريحًا، وعليكم الابتعاد عنه، ويجب العودة إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية.

فتوقيته القريب من الإعلان ينبئ بأن الهجوم لم يكن وليد الصدفة أو هجومًا عابرًا، بل هو تبليغ واضح من الصين عن طريق حلفائها في الشرق الأوسط مثل الحرس الثوري الذي أعطى الأوامر لحماس بالهجوم، والهدف منه إيقاف هذا الممر المنافس والمزعج للصين أو على الأقل تأخيره لحين إنجاز الصين لمشروعها المنافس الذي يمكن أن يفيد الأعداء قبل الأصدقاء حسب ادعاء الصين، من سرعة التنفيذ والتشغيل والمميزات التي يحملها طريق الحرير. لذا أرادت أن يكون بمقدورها عرقلة الممر الاقتصادي عن طريق أيادٍ خفية دون أن تتسبب بشكل مباشر أو تتدخل أو تتعرض للحرج من المجتمع، خاصة أنها أعلنت عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول من خلال تبنيها للإصلاحات والانفتاح عام 1978.

لكنها رأت أن مشروع الممر الاقتصادي الآسيوي الأوروبي عبر الشرق الأوسط تهديد مباشر لمكانة الصين الاقتصادية حول العالم.

لذا يرى المراقبون أنه فعل متوقع من الصين لإنهاء المشروع الآسيوي الأوروبي. وبالتالي، فإن دول الممر سوف تعيد نظرها وحسابها في قادم السنين من فاعلية هذا الطريق.